المناهج والأساليب التربوية لا تتوافق والظروف الراهنة
في تحقيق نشرته صحيفة (النور) في عددها رقم 690 تاريخ 16/9/2015 أوضح بعض المُدرّسين أن المناهج الموضوعة والمُقسّمة على مدى الفصلين الدراسيين، لا يمكن إنجازها بالشكل المطلوب والذي يؤمل منه أن يخدم معارف الطالب أو التلميذ، وذلك بحكم الظروف الأمنية التي تمرُّ بها البلاد، وبحكم كثرة العطل الرسمية، يُضاف إليها الأعداد الهائلة للطلاب في الشعبة الصفية الواحدة.
بالفعل، إن كثافة المناهج الحالية رغم حداثتها العلمية والمعرفية، لا يمكن أن تصل إلى مبتغاها في ظل الوضع الراهن سواء للطلاب أو المدرسين، ففي الوقت الذي تكتظ فيه الشعب الصفية بأعداد هائلة تفوق المعقول، لا يمكن للمدرّس في الزمن المحدد للحصة الدرسية أن يضبط تلك الأعداد وأن يقوم في الوقت ذاته بشرح المادة العلمية بسلاسة منطقية تصل إلى عقول الطلاب بالشكل الصحيح، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فوجود أعداد كبيرة في الشعبة لا تسمح بمشاركة وافية للطلاب ومناقشة ما يتلقونه من معلومات مع المدرّس، وهذا بحد ذاته لا يخدم الطالب ولا العملية التعليمية والهدف منها.
إن الوضع الراهن والقائم منذ سنوات ما بعد الأزمة أو الحرب، يتطلب من وزارة التربية العمل على استنباط أساليب تربوية- تعليمية مناسبة تخدم الطالب بالدرجة الأولى، وتُسهّل على المدرسين القيام بواجبهم المنوط بهم. وهذا برأينا يتطلب الآتي:
1- قبل اتخاذ أيّ إجراء، على وزارة التربية إقامة دورات تأهيلية للكادر التدريسي والإداري، ليس فقط من أجل استيعاب المناهج الحديثة وطرائق تدرسيها، وإنما بدايةً من أجل التعرّف إلى الأساليب التربوية الضرورية والمطلوبة في ظروف الحرب، وكيفية التعامل مع التلاميذ واحتواء نزواتهم وتوترهم إزاء ما يجري، من أجل أن تسير العملية التعليمية ضمن أهدافها المرسومة والمطلوبة، إضافة إلى تأهيلهم وتدريبهم على كيفية التعامل مع التلاميذ والطلاب أثناء سقوط القذائف أو ما شابه بشكل يخفف ما أمكن من الإصابات من جهة، وحدّة التوتر والرعب والقلق بين صفوف الطلاب من جهة أخرى، لأنه وللأسف كانت هناك تصرفات غير مقبولة من بعض المدرسين العام الماضي أثناء حدوث حالات مشابهة، فبدل أن يخففوا من روع الطلاب، زادوا من خوفهم وصراخهم.
2- تكثيف المناهج بشكل كيفي لا كمي، بمعنى تضمين المناهج ما يفيد سوية الطالب العلمية بأقل وقت ممكن، بحيث لا يخسر المعرفة، وفي الوقت ذاته يتمكّن المدرّس من إنهاء المقررات في الوقت المحدد.
3- تقليص ساعات المواد غير الهامّة وغير الضرورية من المناهج.
4- إفساح المجال أمام تفعيل الحصص الترفيهية كالرياضة والرسم والموسيقا لاسيما لطلاب المرحلة الابتدائية لما لها من تأثير بالغ وهام على سلوك التلاميذ، وذلك بحكم الوضع النفسي لغالبيتهم، خاصّة منهم المهجرين الذين يسكنون بيوتاً تضم أكثر من عائلة، وبالتالي انعدام المساحة والوقت المطلوبَيْن لأداء الواجبات المدرسية، فضلاً عن انعدام أماكن اللهو واللعب، التي كان يمكن لهم تفريغ شحناتهم وطاقاتهم فيها. إضافة إلى أن عموم أولئك التلاميذ حتى في المناطق شبه الآمنة يتعرضون يومياً لدوي القذائف وسواها، مما يؤثّر سلباً على حالتهم النفسية، وسويتهم الدراسية، وبالتالي يكونون بأمسّ الحاجة إلى وقت ترفيهي ممنهج يساعدهم على تجاوز العديد من أزماتهم النفسية التي خلقتها ظروف الأزمة والحرب والتهجير.
5- بالتوازي مع ذلك، ضرورة تفعيل دور المرشدين النفسيين والاجتماعيين وتعزيزه، في هذا الظرف أكثر من أيّ وقت مضى، وذلك لاستيعاب بعض السلوكيات التي تبدو غير طبيعية أو غير مألوفة من الطلاب الذين هم بأمس الحاجة إلى من يسمعهم ويستوعب اهتزاز قيمهم التي بعثرتها الحرب، وجعلت حياتهم قلقاً مستمراً وشعوراً بالغربة نتيجة هجر مناطقهم ومنازلهم ومدارسهم، وافتراقهم عن رفاقهم ومدرّسيهم. وهنا باعتقادي من الضروري أيضاً تخصيص حصّة درسية لأولئك المرشدين والمختصين النفسيين من أجل شرح ما يجري للطلاب، ودفعهم للتعامل مع ظروفهم الطارئة والناشئة بطرق وأساليب تبعدهم عن اللجوء إلى العنف ما أمكن، ومحاولة دمجهم في مناطق إقامتهم الحالية من خلال التخفيف من حدّة التمييز بمختلف مستوياته الذي يتعرضون له أحياناً في أماكن إقامتهم الجديدة.
6- محاولة الإدارة دعوة الأهالي كل فترة للتشاور معهم حول أوضاع أبنائهم النفسية والسلوكية والدراسية، وتوجيه الأهل من جهة ثانية لكيفية التعامل مع أطفالهم من أجل تدعيم خطّة المدرسة الواجب اتباعها وتعزيزها وفق ما ذكرنا أعلاه. وأيضاً التنسيق مع لجان الأحياء ومخاتيرها من أجل تقليص ظاهرة التسرب المدرسي، والتشاور فيما بينهم لإيجاد الطرق الكفيلة بأن تدفع الأهل لإرسال أبنائهم إلى المدرسة، لأن هناك العديد من الأُسر النازحة والمهجّرة لا تريد أن ترسل أبناءها إلى المدرسة خوفاً عليهم من جهة، ومن جهة أخرى من أجل تشغيلهم في أعمال تدرُّ على الأسرة مالاً يساعدها في تلبية احتياجاتها في ظل الغلاء المستفحل والبطالة المقيمة.
إن هذه الإجراءات وغيرها، إن جرى العمل بها، كفيلة بأن تسير العملية التعليمية والتربوية بشكل قد يكون مناسباً أكثر لظروف استثنائية بكل المقاييس والاتجاهات، وطلبة زعزعت الحرب استقرارهم وشوّهت طفولتهم البريئة فبعثرتها على قارعة كل الطرق المؤدية للتسرب وربما الانحراف نحو العنف وسلوكيات أخرى تقتل في داخلهم نوازع الخير والمحبة والتعاون، وبالتالي تغتال إنسانيتهم بكل ما تحمله الحروف من معانٍ ضارة بمستقبل الإنسان والوطن.