للعشيقة فقـط!

 يكاد (طيوب) أن يكون الوحيد بين أصدقائي، الذي ينطبق عليه وصف (اسم على مسمى) بكلام آخر، لايخفى على من يعرفه، أنه قد جمع الطيب من أطرافه.

بدءاً من طيب المنبت..

إلى طيب القصد..

مروراً بطيّب القلب والمحضر والمعشر.

بيد أن ذلك لا يعني اكتمال طيوب، كإنسان، ولا يرشحه للخروج على حدود بشريته، التي من ضمنها احتفاظه برصيده من الألفاظ والتعابير الخاصة، التي اعتاد ترديدها وشدَّ مفاصل حديثه بها، كلما ارتأى في ذلك، إشباعاً لحاجة في الحديث، أو إفحاماً للمتحدثين.

من تلك العبارات (اللزومية) لدى طيوب:

لازم نحترم الرأي الآخر يا أخي..

لازم ندافع عن حقوق المرأة..

لازم نحطّ النقاط على الحروف..

لازم نقوم بواجب الضيوف.. لازم.. ولازم..

وقد درجنا (طيوب وأنا) على فهم كل منا قصد الآخر، وأخذ الأمور على وجهها الإيجابي، دون التوقف عند حرفيتها، والبناء على ركاكة صياغتها، أو التركيز على لهجة فيها حادة هنا، أو خطأ لفظي هناك.

ولما كان من مفرزات الأزمة في البلد، وتداعيات مضارِّها. أن أفقدت بعض السوريين، كثيراً من اتزانهم وحلمهم وأناتهم.. وضيعت كثيراً من دماثتهم ونداوتهم وظُرفهم.. وذهبت بغير قليل من إيمان بعضٍ آخر وثقتهم بعدالة هذا الكون، فقد انعكس شيء من التداعيات والمضار -سيئة الأصل والفصل- المذكورة، على نقاش دار مؤخراً، بين مجموعة من الزملاء، منهم طيوب ومحسوبكم، حول آخر ما حطمته موسوعة غينيس السورية للأرقام القياسية، في:

ــــ  ارتفاع سعر النفط والخبز ومشتقاتهما، وما في حكمهما، عندنا، في الوقت الذي لم يطرأ فيه ارتفاع على أسعار تلك المواد، دولياً ولا إقليمياً.

ارتفاع نسبة الفاءات الثلاث (الفساد والفقر والفلتان)، وبقية أفراد الأسرة.

وبالمقابل ما استجرَّته الارتفاعات السابقة وما إليها وسواها، من انخفاضات وانهدامات وتحطيمات في الأرقام القياسية نزولاً، في احترام مواطنية البني آدم السوري وإنسانيته!

وما إن برقت في سماء النقاش سانحة للكلام، حتى -على غير عادته-استشاط طيوب اندفاعاً في الاقتراح، قائلاً:

لازم نسمي الأشياء بأسمائها يا أخي!

فتنطحت له على غير عادتي أيضاً، سائلاً وزاجراً، بالقول:

وهل حضرتك تعرف أولاً، ما تعني تسمية الأشياء بأسمائها؟

أجاب: طبعاً أعرف. يعني أن نسمي مروان مروان.. والطاولة طاولة.. الأبيض أبيض والأسود أسود.

قلت: أن تسمي الأشياء بأسمائها يا حبيبي، تعني أيضاً إلى ما تفضلتَ به، أن تقول للسارق سارقاً (وليس شاطراً وحلالاً عليك!)

أن تقول للكذاب كذاباً (وليس سياسياً محنكاً!)

أن تقول للمحتال محتالاً (وليس دبلوماسياً ناجحاً!)

.. للطاغية طاغية (وليس شخصية فذة!)

.. للخائن خائناً (وليس مغرراً به أو صاحب وجهة نظر!)

أن تسمي الأشياء بأسمائها يا عزيزي طيوب، يعني أن تقول لوحيدك المدلل (محمود)، إذا ما كرر تحرشه بابنة الجيران، ولم يكترث لتنبيهاتك له: أنت مخطئ بتصرفك يا ولد، وأنا فاشل بتربيتك. وما قمت به ينطوي على أنانية وقلة أدب، يجب أن ـ أي لازم ـ تُحاسب عليهما. (وليس أن تبتسم وتغني له بو حْميد ويللي ماربي مثلك ولد!) ثم ختمت سائلاً:

هل بمقدورك يا صديقي، وبالمعنى الذي بسطته وأوجزته لك، أن تسمي الأشياء بأسمائها؟

ابتسم طيوب وأجابني بطيبته المعهودة، ممزوجة بسرعة بديهة وذكاء مفاجئين، منقّلاً نظراته ما بيني وبين الزملاء: نعم نعم، أستطيع أن أقول لابني، إنه أناني وقليل أدب وابن..!

وهنا تكلم حازم ـ الذي بقي صامتاً معظم الوقت ـ معلقاً من طرف خفي، على الهروب الذكي لطيوب، في اختياره الأكثر سلامة، من بين (التسميات) حين قال:

إذا توخينا الحقيقة، وبعيداً عن التوريات والمجاملات. فمن المغامرة المحفوفة بالمخاطر والمخافر، بالنسبة للمواطن في ظل معظم أنظمة الشتات العربي الحاكمة، أن يسمي الأشياء بأسمائها، اللهم سوى لعشيقته، وفي حالهما الأكثر حميمية، حيث يمكنه أن يفعل، وبصيغة التدليل والتصغير إذا رغب.

العدد 1190 - 11/03/2026