السياسة الأمريكية في العالم.. أمريكا الجنوبية أنموذجاً
عاشت بلدان أمريكا اللاتينية حقباً زمنية طويلة من حكم الديكتاتوريات العسكرية السوداء، ويمكن اعتبار (مبدأ مونرو) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو على شكل رسالة سلمها للكونغرس الأمريكي عام 1823 ونادى بموجبه (بضمان استقلال كل دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوربي)، فصلاً جديداً في تاريخ بلدان أمريكا الجنوبية، فقد اعتبرت الولايات المتحدة بلدان هذه القارة منطقة نفوذ أمريكية مغلقة على الأوربيين الذين استعمروها منذ القرن الخامس عشر، قبل أن يتولى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت في أوائل القرن العشرين تطبيق هذا المبدأ عملياً، إذ أرسلت الولايات المتحدة جيوشها إلى جمهورية الدومنيكان عام ،1905 وإلى نيكاراغوا عام ،1912 وإلى هايتي عام ،1915 إلا أن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت اتبع في بداية ولايته من عام 1933 إلى 1945 سياسة حسن الجوار مع بلدان القارة، وسحب قواته تدريجياً من الدول الأمريكية الصغيرة التي احتلتها بلاده.
ولكن الولايات المتحدة سرعان ما عادت بعد الحرب العالمية الثانية إلى تطبيق مبدأ مونرو، معتبرة أمريكا اللاتينية حديقة خلفية لها، ونظرت إلى معظم بلدانها على أنها (جمهوريات موز) توصيفاً للحكومات الديكتاتورية التي تسمح ببناء مستعمرات زراعية شاسعة على أراضيها مقابل الثراء الفاحش لحكام أنظمتها الفاسدة. ومن هنا تحولت السفارات الأمريكية في هذه البلدان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة إلى مراكز عمليات لتشكيل (الحرس الوطني) وتدريبه في كل بلد منها، وهي عبارة عن جيوش تُنتقى عناصرها بعناية فائقة من أجل ضمان ولاء عناصرها للأنظمة العسكرية التي جرى تشكيلها تباعاً عبر موجة الدكتاتوريات العسكرية.
وكانت الباراغواي أول بلدان أمريكا اللاتينية التي أقيمت فيها الدكتاتورية العسكرية عام ،1954 تلتها البرازيل عام ،1964 وبعدها الأورغواي عام ،1968 ثم تشيلي عام ،1973 وفي الأرجنتين وبوليفيا ودول لاتينية أخرى عام 1976. وقدمت تلك الدكتاتوريات المدعومة من الولايات المتحدة أكثر النسخ الحالكة السواد في تاريخ البشرية، ومن جرائمها المعروفة الاختفاء القسري لمئات الآلاف والتصفية الجسدية خارج القانون بالإلقاء في أعماق البحار من الطائرات، والاغتيالات البشعة. وتعد دكتاتورية الجنرال أوغستو بينوتشيه في تشيلي عام 1973 نموذجاً لتلك الدكتاتوريات البشعة جداً.
وهناك قصص وحكايات للأعمال (الوحشية الخارقة) التي سطرها جون نيغروبونتي (الدبلوماسي الأمريكي من أصل يوناني) في أمريكا اللاتينية الذي عيّنه الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في عام 1981 سفيراً لبلاده في هندوراس بمهمة محددة، وهي الإشراف على دعم متمردي الكونترا ضد نظام الساندينتا الحاكم، فقد برع في مهمته بتصعيد البطش والتصفية والاعتقالات وغير ذلك من الممارسات التعسفية غير المسبوقة.
وبعد هجمات 11 أيلول 2001 رشحه الرئيس الأمريكي جورج بوش ليكون أول مدير للمخابرات الوطنية الأمريكية التي تشرف على مجمل عمليات المخابرات في مختلف الوكالات الأمريكية، وأسند إليه مهمة التحقيق في الإخفاقات الاستخباراتية التي أدت إلى الهجمات المذكورة. وقبل هذا المنصب كان سفيراً لواشنطن لدى العراق، وفي عام 2007 أعفي من منصبه الاستخباراتي ليصبح الرجل الثاني في الخارجية الأمريكية.
وفي عام 1984 نُشرت دراسة حول ضحايا الدكتاتوريات السوداء في أمريكا اللاتينية جاء فيها أن 1184 هندوراسياً اختفوا على يد (فرق الموت) التابعة للجيش الهندوراسي التي كان يشرف عليها نيغروبونتي.
وبالمناسبة فإن منسقة لجنة عائلات المفقودين في هندوراس المدعوة بيرتا أوليفيا علقت تعليقاً مثيراً حينذاك على تعيين نيغروبونتي مديراً للمخابرات الوطنية الأمريكية قائلة: إن تعيين نيغروبونتي مديراً للمخابرات الوطنية الأمريكية أمر محزن ورهيب، فبالنسبة إلينا الآن بات الكفاح من أجل تسليط الضوء على قضايا الإخفاء القسري أكثر صعوبة، ويا لها من مصادفة أن يكون نيغروبونتي سفيراً للولايات المتحدة في فيتنام وأمريكا الوسطى والعراق أثناء الحروب فيها، ليأتي اليوم ويتولى هذا المنصب الرفيع!
والمفارقة اللافتة هنا، أن الرئيس أوباما أثناء مشاركته في قمة منظمة الدول الأمريكية في شهر نيسان من العام الماضي في بنما، قال أمام حشد من قيادات منتدى منظمات المجتمع المدني (إن تلك الأيام التي كانت فيها أجندتنا في هذا الجزء من نصف الكرة الأرضية تعتقد أنه بمقدور الولايات المتحدة التدخل في بلدانه والإفلات من العقاب قد ولت). ولكن هذا القول بقي مجرد حبر على ورق، ومن أجل الدعاية لسياسة أوباما وليس أكثر من وعد في سياق وعوده منذ أن جاء إلى البيت الأبيض.