الرفيق باسم عبدو في ذمة الخلود..إليك أيها الراحل …الآن تُورق الذاكرة.. أكثر من حضور وأبعد من غياب
كم صدّقتك ولم أصدق الموت، لتكون هذه الشرفات التي اجترحتها فضاء لإبداع مختلف تتراسل فيه التجارب والأذواق والرؤى وكان لي شرف الكتابة فيها، مُبحراً مع زملاء كتّاب يؤلفون (السيمفونية) الإبداعية، ويحطّون بطائر اللغة على تلك الشرفات الباذخة، والتي تؤلف متصلة ومنفصلة معنى يشرق ويشي، بمنظومة جمالية، كنتَ سادنها في زاويتك المطلة، على زوايا المبدعين، وقد لفتَّ إلي أنني امتلك حسّاً ساخراً، وأعرف أنكّ قد وقفت على الأدب الساخر تاريخاً وتجليات إبداعية، لافتة في تشكيلها الثقافي وقدرتها على الإدهاش بدءاً من تلك الرموز الثقافية في مدوّنة الأدب الساخر، وهكذا انتبهتُ إلى أن الواقع مازال خزّان الأفكار العظيم، لكن الخيال، هو من يضفي نكهة عليه، ليثير شهية اللغة، وينفتح بالدلالة، وأنت في تعدّدك الروائي والقاص والصحفي والسياسي المجرب، لا يمر العالم ومرئياته أمام شاشة المعنى لديك مجاناً، أقف اليوم، في ارتباك سخريتي من الأقدار، لأمتحنَ اللغة التي حاورنا بها العالم ، كيف سأقارب بها رحيلك، فضّة غيابك المستحيل، لكنّك الآن على شرفاتك العالية، تحت غيم أصابعك يهطلُ حضورك، لتغدو في المرايا فجرها الصادق أبداً.
لا ذنبَ للرحيل المباغت، إذ يتخاطف ضحتك الآسرة، وحكاياتك في تلك المدوّنات وما أشهاها، إذ تفيض بحيوات كنتَها، وما زلتَ ترمي عليها أسئلتك، ونؤثث في خلاياه نشيدنا الذاهب لفطنة الحياة، وفي شرفاتك البهّية إذن يتغيّر الشكل والمقاوم، في مقاربة الأرواح، الحارسة لأزمنتها الأخرى، لشرفات واسعة تحتفي بممكن الأثر الإنساني،العابر أيضاً- لأزمنته وأمكنته، والذي يأخذ من أكوانكَ الإبداعية الثرية -علاماتك- كل حضوره الآخر، وأشكاله المتعددة، لم يرن هاتفي لتخبرني بضرورة الاستعجال بالكتابة للصفحة الثامنة وبجملتك الأكثر دلالة: (تحية إشراقية)…
لأن عائلة -النور- أبجديتها لغة النور والإشراق، ومفرداتها وخطابها هو التنوير، في مواجهة (سدنة) الظلام .
فكم توهّج بك الحبر واستقام، كغناء على حافة الشغف، وكم أورقت ذاكرتك الخضراء، بوهج ذاكرة الحياة، لتعبر المدونة الأكبر (الحياة)، إلى ما يجعل الكلمة فيك أقل دلالة من الإحساس بحزن جليلٍ وفي زمن مختلف، مازال الفقد فيه خطابنا الفادح، ليستعيدنا، في لحظة لا تعبر إلى النسيان، بل إلى الذاكرة بكامل بهائها.
أيها المعلم الأستاذ باسم عبدو لا تجد الكلمات متسع لنرثيك ولنذهب إلى لغة الرثاء وفيض الأسى، لكننا نستعيدك بمشروعك الثقافي وبهواجسك الإبداعية الفاعلة، فأنت خيط من نور ما انفك يوماً على أن ينسج تلك الروح المضيئة بالحضور والعطاء المستمرين، هي لحظة أخرى نعدُّ فيها حضور الغائبين الذين ملؤوا السطور والصدور بأسفار عقولهم وأفكارهم ليكونوا بيننا من يحضرون غيابهم رغم نزيف الوقت وحشرجات الأزمنة، رغم ألف سؤال عن غائب يحضر وعن حاضر لا يغيب، وتلك أمثولاتك التي روت عطش الصحائف بالأفكار الثرية دائماً وبمدى ما خلقته من حوافز للمبدعين وأنت منهم، طيب الكلام وطيب القلب وابتسامة لا تغادر وجهك رغم مسيرة محفوفة بالمخاطر والصعاب، لكنها الأكثر قدرة على الأمل، الذي يولد من رحم الألم فأنت المتفائل الأزلي بيننا، أنت من ذهبت أبعد من كلمة قلتها أو خطاب صدحت به، حسبك أنك جئت من المستقبل لتُملي على حاضرنا الوعد، بل جئت من الحلم طليقاً لتجهر مدوناتك الإبداعية بمتسع من الأحلام والآمال وبالسخرية ذاتها من عبث الأقدار.
لقد كنت بين من كتبوا وأبدعوا في فن السخرية ولكن على طريقتك وحدك، وبنكهة قلم يحترف الإبحار ويرسم خط أفق غير مرحلة، لا لينتهي لجواب، بل ليقترح الأسئلة فناً وأسلوب حياة.
هي ذاكرتك تورق الآن بخصبها، وبمدى ما يُخصَّبهُ التفكير مقلّباً أحوالنا ومشتقاً منها ما ينتهي لجملة أثيرة، هكذا الحياة!