فترة ما بين الفوز والتنصيب الرسمي للرئيس الأمريكي؟
يبدو أن الأسابيع المقبلة الواقعة بين يوم انتخاب الرئيس الأمريكي 8/11/20116 ويوم التنصيب الرسمي 21/1/2017 هي مرحلة هدوء ما قبل العاصفة، أو إحدى وسائل إدارة السياسة الخارجية الأكثر فاعلية، أو حدث البدء بالانتقال إلى شكل آخر من النظام الدولي بنسقٍ دولي آخر، وبين هذا الرأي أو ذاك، يبقى الأمل كبيراً بمنع حصول مواجهة روسية- أمريكية، والتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة في سورية مع الاستمرار في محاربة الإرهاب، مع العلم أن روسيا بقيادة الرئيس بوتين تعمل جاهدة لإنجاح أية تسوية مقبولة وتجنّب التصعيد العسكري والسياسي، رغم المراوغة الأمريكية المستمرة والمتعددة الأشكال، والدليل على ذلك هو الهدن المتكررة التي أعلنتها روسيا في سورية، وتعليق تحليق الطيران الروسي فوق شرق حلب لأكثر من عشرين يوماً.
إذاً، يمكن القول إن الحسم العسكري في حلب ما زال مجمّداً إلى حين انتهاء انتخابات الرئاسة الأمريكية، ولكن من دون أن يعني ذلك أن العمليات العسكرية سوف تبدأ فور انتهائها، مع العلم بأن كل متطلبات الحسم أصبحت جاهزة روسياً وسورياً.
بالطبع، ستستمر إدارة الرئيس أوباما في أداء مهامها حتى موعد تسلّم الرئيس الجديد المنتخب للسلطة رسمياً، إلا أن الظرف في الداخل الأمريكي حساس جداً، وحساباته معقدة، لاسيما في مجالي السياسة الخارجية والدفاع، لماذا؟
لأن الفترة ما بين يوم الانتخاب ويوم التسليم تشهد دائماً تحولات وتغييرات كبيرة في السلطة التنفيذية الأمريكية (الحكومة)، وهي مرحلة انتقالية لا تقتصر على تعيين وزراء جدد، بل تشمل آلاف التعيينات السياسية البديلة في مختلف الوكالات الفدرالية، هذا إلى جانب أن الرئيس الفائز سيقوم خلال هذه الفترة الانتقالية بدراسة الأوضاع من مختلف جوانبها، وتحديد القضايا ذات الأولوية التي يجب ترجمتها إلى سياسات عملية، وذلك في ظل ظرف دولي معقد، وبنية دولية آخذة بإعادة التشكل باتجاه انتفاء سيطرة القطب الواحد.
روسيا التي اتسمت سياستها بالتروي والحكمة، راعت هذه المرحلة الانتقالية، ريثما تأتي إدارة أمريكية جديدة، إلى جانب أن أي عملية عسكرية روسية يمكن أن تفسر على أنها جاءت في لحظة ضعف أمريكية لتقويض الهيمنة الأمريكية، وأن تدفع صقور إدارة أوباما الحالية إلى ردود أفعال عدائية خطيرة تحت ذريعة المحافظة على الهيبة الأمريكية، مثل تزويد المجموعات المسلحة بصواريخ مضادة للطائرات وصواريخ أرض- أرض أيضاً، وقد يلجأ الصقور إلى شنّ غارات عدوانية على مواقع الجيش السوري، كما فعل البنتاغون في دير الزور مؤخراً.
إن كل الهواجس الأمريكية صارت تنعكس على شكل خطط استباقية في سورية، منها إعلان ما تسمى (قوات سورية الديمقراطية) البدء بتطويق مدينة الرقة، وبالطبع كل هذا لمحاصرة الخيارات الروسية فور البدء بمعركة الحسم في حلب، واستعادة الأحياء الشرقية للمدينة.
على أي حال، لا يتوقع الروس تغيرات حادة في التعامل الأمريكي مع الأزمة السورية بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، انطلاقاً من أن روسيا بعيدة في سياستها عن لعبة الحسابات، وكونها حسمت قرارها بضرب جبهة النصرة وأحرار الشام وجميع المجموعات الإرهابية المرتبطة بهما، لكنها مازالت تستهلك الوقت لتجنب حساسية المرحلة الانتقالية الأمريكية عبر سياسة الهدن، والدعوات المستمرة إلى خروج إرهابيي شرق حلب إلى مناطق أخرى، وهذا ما يدفع إلى عدة سيناريوهات في المشهد العسكري بحلب:
الأول- أن تبدأ روسيا وسورية عمليات عسكرية جواً وبحراً وبراً، لتطهير حلب دون أية مراعاة لحساسية المرحلة الانتقالية الأمريكية.
الثاني- استمرار روسيا في سياسة تعليق الضربات الجوية مع تحشيد واستعداد كامل للمعركة ريثما تتضح معالم السياسة الدفاعية والخارجية للرئيس الجديد في أمريكا.
الثالث- العودة إلى شن ضربات جوية وبحرية صاروخية ضد معاقل الإرهاب في مدينة حلب، من دون أن يترافق ذلك بتقدم بري على الأرض، ربثما تتسلم الإدارة الأمريكية الجديدة مهامها مطلع العام القادم.
وفي الحقيقة، يصعب تبني ترجيح سيناريو من السيناريوهات الثلاثة السابقة، لأن الأمر يرتبط بدائرة التفاعل والتجاذب والصراع الإقليمي والدولي على المنطقة. لهذا فإن كل السيناريوهات محتملة، وترجيح أحدها على الآخر مرهون بمعطيات الآتي من الأيام والأحداث.
أخيراً تشكل المرحلة الانتقالية الأمريكية مرحلة بالغلة الحرج، لأنها تزامنت مع زيادة هذه الاستقطاب الدولي من جهة، وارتفاع صوت الصقور في البنتاغون والخارجية الأمريكية، وكذلك ارتفاع صوت الصقور في منظمة حلف الأطلسي المذعورة مما يسمى تنامي القوة والنفوذ الروسيين على تخومها، وهذا كله ينعكس على كل الاستراتيجيات والسياسات المتعلقة بما يجري في سورية.
ولكن هناك حقيقة باتت واضحة جداً، وهي أن سياسة الاستنزاف والأفغنة المتبعة أمريكياً، وغالباً لن تعمر كثيراً بل أصبحت في نهاياتها.