سليمان أمين:
لم يعد الجدل حول تعديلات المناهج المدرسية في سورية مقتصراً على حذف صور ورموز مرتبطة بالنظام السابق، بل بات يطرح أسئلة أعمق حول طبيعة الدولة التي يجري بناؤها، والهوية التي ستُقدَّم إلى الأجيال الجديدة، وحدود الفصل بين التربية والتعليم من جهة، والاختيارات الأيديولوجية والاجتماعية من جهة أخرى. فالتغييرات التي طالت صور النساء والفتيات، وإضافة الحجاب إلى بعض الصور والرسومات،
وتعديل صور أخرى لتظهر بملابس أكثر (احتشاماً)، إلى جانب حذف صور فنية وأثرية أو تغيير مظهرها، فتحت نقاشاً واسعاً حول المعايير التي تحكم إعادة صياغة المحتوى المدرسي، وما إذا كانت هذه التعديلات تستجيب لضرورات تربوية واضحة، أم تعكس توجهاً ثقافياً يسعى إلى إعادة تشكيل المجال العام وفق رؤية اجتماعية محددة.

من مراجعة المناهج
إلى إعادة تشكيل الهوية
تواجه سورية، بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تحدياً حقيقياً يتمثل في مراجعة الإرث التعليمي السابق وبناء مناهج أكثر اتساقاً مع متطلبات المرحلة الجديدة. غير أن مراجعة المناهج لا تعني بالضرورة إعادة صياغة المجتمع وفق تصور واحد، كما أن التخلص من الدعاية السياسية لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لحذف عناصر ثقافية أو تاريخية لا تتوافق مع توجهات فكرية بعينها. وتزداد حساسية القضية عندما يتعلق الأمر بالصور والرسومات، لأنها لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تسهم في تشكيل تصورات الطفل عن المجتمع والمرأة والتاريخ والحياة اليومية. فعندما تُعدّل صورة امرأة لتغطية شعرها، أو تُستبدل صورة فتاة بصورة فتى، أو تُحذف لوحة فنية من كتاب مدرسي، يصبح من المشروع التساؤل عن المعيار الذي استند إليه القرار، ومدى اتساقه مع الأهداف التعليمية المعلنة. ومن هنا، يبرز وصف هذه التغييرات بأنها (أفغنة للمناهج) في الخطاب العام، تعبيراً عن مخاوف من انتقال التعليم نحو نموذج محافظ أحادي. لكن الدقة تقتضي التمييز بين هذا الوصف السياسي وبين الإثبات الموضوعي، فالتشابه في بعض أنماط اللباس لا يكفي وحده لإثبات استنساخ تجربة دولة أخرى. فالمعيار الأهم هو اتجاه التعديلات ومضمونها ومدى احترامها للتنوع السوري.
صور النساء والتماثيل تحت المجهر
أثارت التعديلات المتعلقة بصور النساء جدلاً خاصاً، ولا سيما عندما أُضيف الحجاب إلى بعض الشخصيات المرسومة، أو استُبدلت صور فتيات بصور فتيان، أو ظهرت شخصيات بملابس أكثر تغطية مما كانت عليه في نسخ سابقة. ولا تكمن المسألة في الحجاب بحد ذاته، فهو جزء من المظهر الاجتماعي والثقافي لشريحة من النساء السوريات، بل في احتمال تقديم نمط واحد بوصفه الصورة المقبولة أو الطبيعية الوحيدة للمرأة. فالمجتمع السوري متنوع في عاداته ومعتقداته وطرائق عيشه، وتمثيله بأمانة يقتضي إظهار هذا التنوع، لا محو أحد وجوهه لصالح وجه آخر. كما أثار حذف صور أعمال فنية، بينها لوحة الموناليزا، وصورة تمثال المغنية أورنينا المرتبط بالحضارة السورية القديمة، تساؤلات حول العلاقة بين الاعتبارات الدينية والمحتوى التاريخي والفني للمناهج. فالتاريخ لا يُدرَّس باعتباره قائمة من الصور التي توافق أذواق الحاضر، بل بوصفه سجلاً لتجارب الحضارات ومعتقداتها وفنونها. وعرض تمثال أثري لا يعني تبني المعتقدات التي أنتجته، تماماً كما أن دراسة لوحة فنية لا تعني بالضرورة الموافقة على جميع دلالاتها الثقافية. وإذا كانت هناك أسباب علمية أو فنية أو تربوية تستدعي تعديل صورة أو استبدالها، فمن حق المجتمع معرفة هذه الأسباب. أما حذفها لمجرد تعارضها مع تصور اجتماعي أو ديني معين، فيطرح إشكالية تتجاوز تصميم الكتاب إلى حدود المعرفة التي يُسمح للطفل بالوصول إليها.
بين التبرير الرسمي
والأسئلة المفتوحة
في مواجهة الانتقادات، أكدت تصريحات صادرة عن مسؤولين تربويين أن المناهج تراعي تنوع المجتمع السوري، وأن الكتب لا تقتصر على صور النساء المحجبات، بل تتضمن أيضاً صوراً لنساء غير محجبات. ويمثل هذا التوضيح نقطة مهمة في النقاش، لكنه لا يحسم المسألة بصورة نهائية. فوجود صورة لامرأة غير محجبة في أحد الكتب لا ينفي احتمال حذف صور أخرى أو تعديلها في كتب مختلفة، كما أن رصد تعديلات محددة لا يثبت تلقائياً وجود سياسة شاملة تستهدف جميع صور النساء أو الفنون. المطلوب، لذلك، ليس الاكتفاء بالتطمينات العامة أو الاتهامات السياسية، بل تقديم تفسير واضح لكل تغيير، ونشر معايير المراجعة والنسخ الأصلية والمعدلة، وتوضيح دور اللجان العلمية والتربوية في اتخاذ القرارات. فالشفافية هي الطريق الوحيد للتمييز بين التعديل الذي يخدم هدفاً تعليمياً مشروعاً والتعديل الذي يفرض تصوراً أيديولوجياً على المعرفة المدرسية.
التراث السوري
ليس عبئاً على الحاضر
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في بلد يمتلك إرثاً حضارياً يمتد من ماري وإيبلا إلى أوغاريت وتدمر، ويضم شواهد مادية على تعدد الثقافات والمعتقدات وأنماط الحياة عبر آلاف السنين. إن الحفاظ على هذا التراث لا يعني تحويل المدارس إلى متاحف، بل تعليم الطلاب قراءة الماضي وفهمه وتفسيره. كما أن احترام المعتقدات الدينية لا يتعارض مع عرض الآثار والفنون في سياقها التاريخي والعلمي. والخطر الحقيقي يظهر عندما تُختزل الحضارة في العناصر التي تنسجم مع تصور واحد، بينما تُحذف العناصر الأخرى أو تُغيَّر دلالاتها. عندئذٍ، لا يعود الكتاب المدرسي نافذة على التاريخ، بل يصبح أداة لانتقاء أجزاء منه وتهميش أجزاء أخرى. ولا يقتصر أثر ذلك على المعرفة التاريخية، إذ يمكن أن يؤثر أيضاً في قدرة الأجيال الجديدة على فهم الاختلاف، والتعامل مع التعدد الثقافي باعتباره حقيقة اجتماعية لا تهديداً للهوية.
ما الذي ينبغي أن تتضمنه المناهج الجديدة؟
توحيد المناهج السورية وتحديثها هدفان مشروعان، خصوصاً بعد سنوات من الانقسام التعليمي وتفاوت المحتوى بين المناطق. لكن التوحيد الإداري لا يضمن وحده جودة التعليم أو حياده العلمي. إن بناء مناهج حديثة يتطلب مشاركة متخصصين في التربية والتاريخ والآثار والفنون وعلم النفس، إلى جانب معلمين وممثلين عن المجتمع، ووضع معايير معلنة لمراجعة النصوص والصور. كما يتطلب الفصل بين تدريس القيم الدينية والأخلاقية، وفرض تفسير واحد للحياة الاجتماعية على جميع الطلاب. وينبغي أن تتيح المناهج للأطفال التعرّف إلى المجتمع السوري كما هو، بتنوعه الديني والثقافي والاجتماعي، وأن تعلّمهم التمييز بين الحقيقة التاريخية والرأي، وبين دراسة المعتقد والتبني الشخصي له، وبين احترام الاختلاف ومحاولة إلغائه.
أيّ صورة تريد سورية
أن تتركها لأطفالها؟
إن معركة المناهج ليست معركة على الحجاب أو الثوب أو التمثال وحدها، بل على طبيعة العلاقة بين الدولة والمعرفة والهوية. فالدولة التي تسعى إلى بناء مستقبل مستقر تحتاج إلى تعليم يعزز الانتماء المشترك، لا إلى محتوى يضيّق تعريف المجتمع أو يجعل الاختلاف موضع اشتباه. ولا تكمن المشكلة في أن تظهر امرأة محجبة في كتاب مدرسي، ولا في أن يتعلم الطفل احترام الاحتشام، بل في احتمال أن يصبح نمط واحد من المظهر والسلوك معياراً لتمثيل المجتمع بأكمله، وأن تتحول الاعتبارات الأيديولوجية إلى أداة لتحديد ما يستحق البقاء في الذاكرة الثقافية وما ينبغي حذفه منها. إن سورية ليست صورة واحدة، ولا مرحلة تاريخية واحدة، ولا نمطاً واحداً من اللباس أو الاعتقاد. وأطفالها يستحقون مناهج تعكس هذا التنوع، وتحفظ تراثهم، وتمنحهم القدرة على التفكير النقدي بدلاً من تلقينهم إجابات جاهزة.
السؤال الجوهري ليس كيف يجب أن تبدو المرأة في الكتاب المدرسي، بل أي جيل تريد المناهج أن تصنع: جيلاً يفهم مجتمعه بتنوعه، أم جيلاً يتعلم أن بعض وجوه هذا المجتمع ينبغي إخفاؤها؟