كالعادة.. الحروب المدمّرة تبدأ من أوربا!

د. نهلة الخطيب:

(العالم يواجه مخاطر عدة في طريقه نحو التعددية القطبية)، والمخاض شديد وعنيف مع بروز أقطاب دولية جديدة تؤثر على التوازنات الجيوسياسية وتهيمن على جزء كبير من الاقتصاد العالمي لها وزنٌ سياسيّ وثقل دولي وتمثل نصف العالم عسكرياً واقتصادياً وديموغرافياً وحتى نووياً، وبداية أفول أقطاب غربية فرضت الهيمنة الكاملة والنفوذ على العالم بالقوة العسكرية والتهديد والبلطجة ، نسمع طبول الحروب هنا وهناك ونتابع النزاعات والتوترات في كل مكان في العالم بلا استثناء، فالصراع دموي بين القوى العظمى ووكلائها للسيطرة على المعابر والمنافذ والممرات المائية لإعادة التموضع في الأسس الجديدة للنظام العالمي، فمن يسيطر على المعابر يسيطر على الطاقة وعلى العالم، نعيش فوضى التحالفات وتناقضاتها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، الخصم في ساحة حرب هو حليف في ساحة أخرى، ومن كان عدو الأمس أصبح حليف اليوم (السعودية والإمارات في اليمن)، السعودية والصومال، ومصر وأريتريا وتركيا، بخندق في مواجهة حلف إثيوبي وصومالي لاند وإسرائيل والإمارات، في الوقت الذي تدعم فية أمريكا الصومال ضد تمدد إثيوبيا، ولكنها تعادي أريتريا التي تقف مع الصومال، وروسيا تدعم أريتريا عسكرياً ولكنها تحتفظ بعلاقات ممتازة مع إثيوبيا.

ولا يمكن فصل ما يحدث في الشرق الأوسط عما يحصل في الشرق الأوربي (الصراع الروسي الأوكراني عن الصراع الأمريكي الإيراني)، حرب غزة وإيران واليمن، ليبيا سورية وإثيوبيا، وأخيراً الانسحاب الأمريكي من العراق (تظهر ملامح المرحلة القادمة من الحرب) فالقوى المتقاتلة نفسها مع اختلاف الساحات روسيا وحلفاؤها بمواجهة أمريكا وحلفائها، وما يحصل من توترات هي ترتيبات لأوراق اللعبة والاستعداد للمواجهة الكبرى، فالحرب في السودان واليمن ستحسم ملف القرن الإفريقي، وملف السلاح في العراق ولبنان وغزة يرسم حدود الكيان الصهيوني الجديد إن نجح، وغداً لناظره قريب!! ومع استمرار حصار إيران واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز فإن نتائج الحصار بدأت تعطي نتائج عكسية، أولها ارتفاع أسعار المحروقات في العالم، ونفاد المخزون الاستراتيجي الأمريكي للديزل، ترامب يستشعر تراجع أمريكا التي تخسر بالحروب والاقتصاد فضلاً عن كراهية العالم لأمريكا وتمنياته بفنائها ويحاول إنقاذ الموقف بمواجهة كل القوى في العالم ويتحداها.

حالياً أوكرانيا تحت النار وخاصة عاصمتها، روسيا تشن ضربات انتقامية واسعة النطاق تستهدف الجسور والبنى التحتية مع تحذير لكل الدبلوماسيين الأجانب بمغادرة كييف، تهديدات جديدة يتبادلها الأوربيون وروسيا، فهل نحن أمام حرب جديدة قادمة في الأفق أم أنها مجرد تصريحات ردعية؟؟ نعم، الحرب العالمية اقتربت بالفعل، فالتصعيد بلغ ذروته بين روسيا وأوربا، ولأول مرة تهديد نووي على لسان بوتين إلى قادة حلف الناتو (سنضربكم بالنووي للدفاع عن أراضينا وإن لم تتراجعوا عما تفعلوه بكالينينغراد، الحدود الاستراتيجية لروسيا)، وبولندا تتجهز لحرب محتملة ضد روسيا (بولندا ستزول عن الوجود بثلاثة أيام اذا دخلت بحرب مع روسيا) رداً على تصريحات وزير الخارجية البولندي رادوسوف سيكورسكي (أن الناتو قادر على هزيمة روسيا سريعاً إذا هاجمت إحدى دول الناتو دون مساعدة أمريكية) تصريحات خطيرة تدل على التلويح باستخدام السلاح النووي.

كان من أسوأ تداعيات الحرب الأوكرانية من الناحية الجيوسياسية ضعف الوجود الروسي في هذه المنطقة المتمثل في جيب كالينينغراد الذي يشكل تهديداً كبيراً ومستمراً بسبب موقعه الجغرافي (يتركز فية أسطولٌ بحري روسي كامل يضم سفناً وغواصات وقوات بحرية، وفي عام 2014 نشرت أسلحة نووية تحسباً لأي وجود أطلسي في دول البلطيق والخليج الفنلندي الذي يشرف على سان بطرسبورغ، لذلك روسيا تسعى إلى اعادة تثبيت أوضاعةا وعدم تحوله إلى بحيرة للناتو لأهميته الاستراتيجية الكبيرة، لذلك بوتين يسعى لمراجعة الاعتراف بالاستقلال غير القانوني لدول البلطيق بعد الحرب الباردة  عام 1991 تمهيداً لرسم الحدود الجغرافية في العالم.

انخرط الأوربيون أكثر في الحرب ودعمهم لأوكرانيا، وما من شك أن أوكرانيا لم تكن تحارب وحدها، وأدرك الأوربيون أن من الصعب هزيمة روسيا، فانتقلت مخاوفهم بشأن تمدد محتمل لروسيا قد يطول أراضي التكتل الأوربي بعد أن كانت أوكرانيا خط الدفاع الأول، فسقوطها تعني هزيمتهم! ماذا تبقى لأوكرانيا وقد استنزفت الكثير من الإمكانيات، فتنازلوا عن غرينلاند، ثم عن احتياطي الديزل لضمان الحماية الأمريكية لهم تحسباً لأي فعل روسي.

في المحصلة روسيا تدير هذه الحرب كما تريد مع إدراكها أن الغرب في موقف ضعيف، فالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا بدأت بقرار من الرئيس بوتين وستنتهي بشروطه (فحدود بلاده بلا نهاية)،  وبالمقابل (قرار كيفية استخدام كافة الوسائل المتاحة للردع يرجع لروسيا وحدها، فروسيا تمتلك أسلحة متطورة لا يملكها أحد)، اليد الميتة نظام ردع سري نووي روسي عند التعرض للخطر، نظام تحكم آلي طوره الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة للتحكم بترسانته النووية وتمكين إطلاق الصواريخ حتى في حالة انقطاع الاتصال مع القيادة ودخل في الخدمة عام 1989، العالم أمام خيارات صعبة: النووي أم الدبلوماسي، ولكن العالم أمام ثلة مجانين تقوده وأمام أزماته الاقتصادية والإفلاس والمديونية، وخيار الحرب هو الوحيد للخروج منها، صراع أوربي قادم لا أحد يعرف إلامَ ستؤول إليه الأمور ولكنه الخراب!! فقد تنفجر حرب نووية حرب سريعة جداً ومن نوع مختلف تماماً، وكالعادة الحروب المدمرة تبدأ من أوربا.

العدد 1218 - 7/10/2026