هل استفاق ضمير أحفاد بلفور؟!

د. نهلة الخطيب:

نحن في حرب شاملة على مستوى الشرق الأوسط والخطر يلف العالم بأكمله. فشل الردع الأمريكي قد أدخل المنطقة في حروب استنزاف غير متكافئة، هذا ما نعيشه مع إغلاق مضيق هرمز وتالياً باب المندب بعد أن أصبح تحت سيطرة الحوثيين بالكامل. ما حاجة السعودية لبناء اتفاق دفاع مشترك مع تركيا والباكستان؟ أين المشروع العربي؟ (أيام أخرى وسط هذا الظلام ودون أن ندري ما إذا كنا نتجه إلى الملحمة الكبرى أم الصفقة الكبرى؟)، ما ندريه أن أمريكا الترامبية اهتزت صورتها في العالم من فضائح إبستين إلى إدارة حروب نتنياهو وأخيراً مأزق إيران، نتائج استطلاعات الرأي في الانتخابات النصفية لن يكون لصالح ترامب بسبب الشرخ الكبير الذي أحدثه في الدور القيادي الأمريكي في العالم، وحتماً عند السقوط الأمريكي يتبعه السقوط الإسرائيلي بعد أن أصبحت إسرائيل منبوذة إقليمياً وعالمياً بعد الحرب ضد غزة لاسيما أن التشدد الإسرائيلي والدعم اللامتناهي لإسرائيل يثير انقسامات في الداخل الأمريكي، عندما تتغير أمريكا تتحول المعادلة الداخلية بإسرائيل.

إسرائيل التركة البريطانية للشعب الفلسطيني بدأ بالوعد وانتهى بالعقوبات والاعتراف بالدولة الفلسطينية عام 2025 وشتان بين الاثنين!! في الماضي كان الوفاء بوعد بلفور من بريطانيا الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس مهد الثورة الصناعية ومصنع العالم لأكثر من قرن، والقوة العالمية الأولى التي تسيطر على التجارة العالمية وتهيمن على اقتصاديات العديد من مناطق العالم نهب ثروات وقتل ومجازر ومجاعات، وما تزال معاناة الفلسطينيين شاهداً على وحشية الانتداب البريطاني الذي شجع هجرة اليهود إلى فلسطين وامتلاكهم الأراضي الفلسطينية وبنى لهم مستوطنات ومستعمرات، وما زالت بريطانيا تحتضن إسرائيل وترعاها.

لا يخفى على أحد دور الاستخبارات البريطانية في انشاء حركات دينية وتنظيمات طائفية في المناطق التي تستعمرها وهو دور استمر مع البريطانيين واتسع مع أمريكا، والمفترض أن هذه الجماعات تستخدم كأدوات غربية باعتبارها صنيعة العديد من أجهزة الاستخبارات في العالم أمريكا وبريطانيا وأطراف أخرى فاعلة للعبث بوحدة واستقرار العالم وهندسته جيواستراتيجياً وفقاً لاعتبارات إثنية وعلى أسس جيواقتصادية دفاعاً عن مصالح نخبة قليلة تتحكم في مؤسسات صناعة السياسات البريطانية سرية ومتطرفة للغاية!! بريطانيا أنشأت إسرائيل في البداية لتخدم استراتيجيتها في المنطقة، وعند السقوط البريطاني وهبتها لتخدم الاستراتيجية الأمريكية، فالموضوع ليس مواقف سياسية أو تدخل عسكري هنا أوهناك! إذاً، إسرائيل مجرد أداة وحلقة في لعبة معقدة تشير إلى حجم ما تتطلبه المواجهة من جهود وأدوات ربما نعيش ذروتها الآن.

لطالما رأينا في وجوه وزراء الخارجية الأمريكية والبريطانية وجه آرثر بلفور الذي وعد بإنشاء وطن لليهود وضحايا الهولوكست على أنقاض دولة فلسطين، لا حدود ولا خطوط حمراء لإسرائيل بالقوة ستحقق أهدافها، ونتنياهو الذي أرسله الله ثقته بإقامة إسرائيل الكبرى تجاوز الحدود لا دولة هنا سوى إسرائيل (إسرائيل تهيمن والأخرون يخضعون)، إسرائيل وافقت على إقامة دولة فلسطينية بدعم غربي (إطار أوسلو)، والآن إسرائيل لا توافق والأوربيون يواصلون هذا المشروع بمواجهة ترامب، وبما أن الدولة العظمى حامية إسرائيل وداعمة لتشددها وإنكارها للحق الفلسطيني فإنهم يدركون أن إمكانيات التفاوض على دولة تبدو أمراً مستحيلاً، إلا أنه ضاغط على إسرائيل وعلى أمريكا معاً؟!

بأعنف أزمة دبلوماسية مع إسرائيل، الغرب لم يكتف بالإدانة كما عادته بل عاقبها، بريطانيا تحظر منتجات المستوطنات وتهدد بفرض عقوبات شركات وأفراد إسرائيليين مع 11 دولة أوربية منها فرنسا وكندا، إسرائيل ردت بعنف: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس ومنع شخصيات بريطانية من الدخول إلى إسرائيل ووقف التعاون الأمني وإخراجهم من مركز تنسيق غزة، ما الذي تغير فهل بريطانيا ضد إسرائيل؟!

طبعاً لا، فعلى مدى الـ77 عاماً لم تحاول بريطانيا إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي، بل ورقة ضغط ومحاولة لإخفاء العجز الأوربي من مواجهة إسرائيل، وخاصة أن بريطانيا لم تعد كعهدها، إسرائيل تعيد تشكيل الشرق الأوسط بالكامل بتحقيق إنجاز بقتل أكبر عدد من الفلسطينيين وتهجيرهم واحتلال غزة ومحاولة ضم الضفة الغربية لكن الكارثة الإنسانية في غزة واعتداءات المستوطنين غيرت قواعد اللعبة، فخسرت الرأي العام العالمي الأمريكي وإلى حد بعيد الأوربي تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين شبه يومية بالعالم في الجامعات والشوارع والمدن الأمريكية والأوربية، دول تتمرد على الحظر في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فهذا يعني انقلاب الوضع الخارجي الذي كان دائماً في مصلحة إسرائيل.

الخلاف الحقيقي أن حكومة نتنياهو دفعت الاستيطان وخصوصاً مشروع E1  في الضفة الغربية الذي سيقتل مشروع الدولة الفلسطينية نهائياً لسنوات وهو مشروع نتنياهو وحكومته، انقلاب في الرؤية الأوربية التي ترى المستوطنات غير قانونية فقط تنديد وإدانة ولا تفرض عقوبات جدية عليها، اليوم الانتقال من الإدانة إلى الكلفة، وهذا أخطر على إسرائيل من قيمة بضائع المستوطنين التي فرضت عليها العقوبات نفسها، لأن العقوبات إذا انتقلت من موقف بريطاني إلى سياسة أوربية يمكن أن تمتد إلى مجالات أخرى ستفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على نتنياهو وحكومته، وستفرض حظراً على تصدير الأسلحة والتعاون العسكري وتجميد اتفاقيات الشراكة وعقوبات على بنوك واستثمارات وشركات وو، والأخطر أن السفير الأمريكي في إسرائيل هدد بريطانيا بعقوبات مضادة، فنحن لسنا أمام حرب أمريكية اوربية لكن أمام تصدع حقيقي في الموقف الغربي يعكس خلافهم السياسي مع ترامب، وبريطانيا لا تتحرك وحدها وإنما تبني جبهة للمواجهة، ولهذا جن جنون إسرائيل التي تغذت على الدعم الغربي غير المحدود، فمشكلتها ليست حظر البضائع إنما كسر القاعدة التي عاشت عليها عقوداً أن الغرب يدين ولكنه لا يعاقب، فهل هذا الكيان يستطيع أن يعيش دون هذه القاعدة؟ وماذا سيفعل نتنياهو الذي توعد بتغيير الشرق الأوسط؟! أين هي إسرائيل وأين هي فلسطين في الضمير العالمي؟ هل استفاق ضمير أحفاد بلفور أم هي عقوبة لامتصاص الضغط الداخلي وتخفيف الإحراج أمام شعوبهم المنتفضة أمام مشاهد الجوع والقتل، بريطانيا التي تعيش المأزق التاريخي لوعد بلفور ولا ينفع إلا بالاعتذار وتصحيح الخطأ ورفع الظلم.

العدد 1220 - 21/10/2026