بين إحياء التاريخ وصناعة الوهم.. هل يغيّر خط كركوك ــ بانياس الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط؟
سليمان أمين:
في الشرق الأوسط، لا تتحول مشاريع البنية التحتية إلى مجرد استثمارات اقتصادية، بل تصبح أدوات للصراع والنفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة. ولذلك، فإن أي حديث عن خطوط أنابيب النفط أو الغاز يُستقبل غالباً بوصفه إعلاناً عن تحولات استراتيجية كبرى، حتى قبل أن تبدأ أعمال التنفيذ. وخلال الأيام الأخيرة، انتشرت على نطاق واسع تصاميم ومنشورات تصف مشروع الربط النفطي بين العراق وسورية بأنه ضربة جيوسياسية وشريان جديد سينهي الابتزاز الاقتصادي ويعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة.
لكن بعيداً عن لغة الدعاية، يفرض التحليل الجيوسياسي سؤالاً أكثر أهمية: هل نحن أمام مشروع جديد بالفعل، أم أمام إعادة إحياء مشروع تاريخي يجري تقديمه باعتباره إنجازاً غير مسبوق؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تهدف إلى التقليل من أهمية المشروع إذا تحقق، كما أنها لا تنطلق من موقف سياسي مؤيد أو معارض لأي سلطة. بل تنطلق من قاعدة أكاديمية بسيطة مفادها أن تقييم المشاريع الاستراتيجية يجب أن يستند إلى الوقائع التاريخية والاقتصادية، لا إلى الانطباعات التي تصنعها الحملات الإعلامية.
في الواقع، فإن المشروع المتداول اليوم يرتبط مباشرة بخط كركوك–بانياس، أحد أقدم خطوط تصدير النفط في الشرق الأوسط. فقد أُنشئ الخط خلال خمسينيات القرن العشرين ليؤمّن منفذاً للنفط العراقي عبر الساحل السوري على البحر المتوسط، وشكّل لعقود جزءاً أساسياً من شبكة تصدير النفط العراقي إلى الأسواق الأوربية.
إلا أن هذا الخط لم يكن بمنأى عن التقلبات السياسية التي طبعت تاريخ المنطقة. فقد توقف أكثر من مرة نتيجة الخلافات بين بغداد ودمشق، ثم خرج من الخدمة بالكامل مع تصاعد الأزمات الإقليمية، قبل أن تتعرض أجزاء واسعة منه داخل الأراضي السورية للتدمير خلال سنوات الحرب.
وبناءً على ذلك، فإن ما يُطرح اليوم لا يمثل اختراعاً لمسار جديد بالكامل، بل هو في جوهره محاولة لإعادة تشغيل الممر النفطي نفسه، سواء عبر تأهيل أجزاء من الخط التاريخي أو إنشاء بنية تحتية جديدة تؤدي الوظيفة ذاتها إذا ثبت تعذر إعادة استخدام الخط القديم.
وهنا يكمن الفرق الذي يغيب غالباً عن الخطاب الإعلامي. فهناك فارق كبير بين إحياء مشروع تاريخي، وابتكار مشروع جديد. فالأول قد يكون إنجازاً سياسياً واقتصادياً مهمّاً إذا نجح في تجاوز العقبات التي عطلت المشروع لعقود، أمّا الثاني فيوحي بوجود فكرة غير مسبوقة تعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة، وهو توصيف لا تدعمه الحقائق التاريخية.
ولا شك أن إعادة تشغيل خط يربط العراق بالبحر المتوسط تحمل فوائد استراتيجية محتملة. فمن الناحية العراقية، يعني ذلك تنويع منافذ تصدير النفط وتقليل الاعتماد على بعض المسارات التقليدية، وهو هدف تسعى إليه بغداد منذ سنوات لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بتصدير النفط.
أما بالنسبة لسورية، فإن مرور النفط عبر أراضيها قد يوفر عائدات من رسوم العبور، ويعيد إحياء جزء من بنيتها التحتية النفطية، ويفتح الباب أمام دور اقتصادي كانت قد فقدته خلال سنوات الحرب.
لكن تحويل هذه المكاسب المحتملة إلى حقائق على الأرض يظل مرهوناً بسلسلة طويلة من الشروط السياسية والاقتصادية والأمنية، وهي شروط لا يمكن تجاوزها بمجرد الإعلان عن المشروع.
فالمشهد الإقليمي اليوم يختلف جذرياً عن خمسينيات القرن الماضي. إذ تخضع سورية لعقوبات دولية واسعة، وتواجه تحديات أمنية معقدة، فيما يرتبط أي مشروع للطاقة بمواقف القوى الإقليمية والدولية، فضلاً عن مصالح الشركات المستثمرة والجهات الممولة.
ومن هنا، فإن وصف المشروع بأنه سيُنهي الابتزاز أو سيقلب المعادلات الاقتصادية بمجرد الإعلان عنه، يمثل قفزة تحليلية لا تستند إلى معطيات واقعية.
فالاقتصاد لا يتحرك بالشعارات، بل بالتمويل والتنفيذ والاستقرار القانوني والسياسي.
وعند تقييم أي مشروع استراتيجي، يطرح الباحثون عادة مجموعة من الأسئلة الأساسية قبل الحديث عن نتائجه:
هل بدأت أعمال التنفيذ فعلياً؟
هل تم توقيع العقود النهائية؟
من هي الجهات الممولة؟
ما حجم الاستثمارات المطلوبة؟
ما الجدول الزمني للتنفيذ؟
كيف ستُعالج التحديات الأمنية والعقوبات الدولية؟
وما الضمانات لاستمرار المشروع بعد إنجازه؟
وفي حالة المشروع المتداول، لا تزال معظم هذه الأسئلة بلا إجابات واضحة أو معلنة، وهو ما يجعل الحديث عن تحول اقتصادي جذري سابقاً لأوانه.
كما أن التجارب الإقليمية تقدم أمثلة عديدة على مشاريع ضخمة أُعلن عنها باعتبارها نقطة تحول تاريخية، لكنها بقيت سنوات طويلة حبيسة المفاوضات أو الدراسات الفنية بسبب التعقيدات السياسية والتمويلية. فالفرق بين الإعلان عن مشروع وإنجازه يشبه الفرق بين رسم طريق على الخريطة وبناء الطريق على الأرض.
ومن منظور جيوسياسي، لا يمكن إنكار أن خطوط الطاقة تمثل أدوات نفوذ بامتياز. فهي تمنح الدول أوراقاً تفاوضية جديدة، وتعيد تشكيل علاقاتها الاقتصادية، وتؤثر في حسابات الأمن الإقليمي. لكن هذه التحولات لا تحدث بمجرد تداول تصميم جذاب على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تتطلب سنوات من العمل والاستثمارات الضخمة والتوافقات السياسية.
لذلك، فإن التعامل مع المشروع بوصفه حقيقة مكتملة، أو اعتباره بداية عصر اقتصادي جديد قبل وضع حجر الأساس، لا يخدم النقاش العام بقدر ما يصنع توقعات غير واقعية قد تتحول لاحقاً إلى خيبة أمل جماعية.
إن احترام الرأي العام يقتضي التمييز بين المشروع المعلن والمشروع المنجز، وكذلك بين النية السياسية والقدرة التنفيذية. كما يقتضي الاعتراف بأن إعادة إحياء مشروع قديم لا تنتقص من قيمته إذا تحقق، لكنها أيضاً لا تبرر إعادة كتابة التاريخ أو تقديمه باعتباره فكرة وُلدت اليوم.
في النهاية، لا تُقاس أهمية مشاريع الطاقة بحجم الضجيج الإعلامي الذي يرافقها، ولا بعدد التصاميم المتداولة على منصات التواصل، بل بقدرتها الفعلية على الانتقال من الورق إلى الواقع. وإذا نجح مشروع كركوك–بانياس في تجاوز عقبات التمويل والسياسة والأمن، فسيكون إنجازاً استراتيجياً يستحق التقدير.
وفي النهاية يمكن القول إن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى صناعة أساطير جديدة، ولا إلى محو ذاكرة المشاريع القديمة، بل يحتاج إلى التنفيذ الفعلي. وعندما يبدأ النفط بالتدفق عبر الخط، سيكون الواقع وحده هو من يكتب الرواية، لا الشعارات ولا الإنفوغرافيك.