حزب عُمّال.. بلا عُمّال!

ترجمة وإعداد: شابا أيوب:

نَشرتْ جريدة (الشيوعي) (*) في عددها الأخير لشهر حزيران (يونيو) 2026 المقال التالي:

تولَّى كير ستارمر، زعامة حزب العمال واعداً بجعل الحزب (قادراً على الفوز بالانتخابات) مجدّداً. إلا أن الانتخابات المحلية التي جرت في 7 أيار (مايو) 2026 كشفت عن الثمن الباهظ لهذه الاستراتيجية. فقد خَسر حزب العمال آلاف المناصب السياسية المحلية، وسيطرته على عدد كبير من الدوائر، بينما حقق كل من حزب الإصلاح البريطاني وحزب الخُضر تقدماً ملحوظاً.

لم تكن النتيجة مجرد انتخابات احتجاجية مؤقتة، بل كانت مؤشراً على تزايد السخط الشعبي على حزب العمال الذي لا يزال، حتى في عهد ستارمر، حزباً مركزياً إدارياً.

بعد عقود من سياسات التقشف، تجد بريطانيا نفسها في أزمة اجتماعية مُزمنة. فالخدمات الصحية تعاني من ضغوط هائلة، وسوق الإسكان في حالة عبثية، والأجور الحقيقية راكدة منذ سنوات، والفقر يتفاقم بشكل متسارع. ومع ذلك، يرفض ستارمر باستمرار أي تحدٍّ جوهري للسياسات الاقتصادية التي تُسبب هذه المشاكل.

يتحدث حزب العمال عن (المسؤولية الاقتصادية)، لكنه في الواقع يتبنى المبادئ المالية نفسها التي تُستخدم لتبرير التقشف.

 

الإدارة الديمقراطية الاجتماعية

تكمن المشكلة الأساسية في أن ستارمر لن يبني بديلاً اشتراكياً لأزمات الرأسمالية. فقد تخلّى حزب العمال عن طموحاته في المُلكية العامة الواسعة، وإعادة توزيع الثروة بشكل فعّال، وإضفاء الطابع الديمقراطي على الاقتصاد. حتى مقترحات الإصلاح المعتدلة لتأميم الطاقة والنقل تم تخفيفها لإرضاء قطاع الأعمال.

قام ستارمر بتطهير حزب العمال من اليسار بشكل منهجي. إذْ جرى استبعاد جيريمي كوربين فعلياً، وتهميش المُرشحين الاشتراكيين، وكذلك تأثير الحركة النقابية. والنتيجة هي حزبٌ ذو توجّه هرميّ، تُعطى الأولوية فيه للانضباط والسيطرة على الإعلام، على حساب التعبئة السياسية الشعبية.

أصبح حزب العمال بشكل متزايد حِزباً للبرلمانيين، والمستشارين، والعاملين في مجال الاتصالات – وليس لِعُمّاله المُنظمين.

 

النتائج

كشفت الانتخابات المحلية عن عواقب هذه السياسة. في العديد من المناطق العمالية التقليدية، اتجه الناخبون إلى حزب الإصلاح البريطاني، لا لأن الشعبوية اليمينية تُقدِّم حلولاً حقيقية، بل لأن حزب العمال لم يعد يُنظَر إليه كحزب يناضل من أجل الطبقة العاملة.

عندما تتخلى الديمقراطية الاجتماعية عن سياسات الطبقات، غالباً ما يُترك السخط للقوى القومية والاستبدادية.

من جهة أخرى، خَسر حزب العمال أيضاً ناخبين شباباً وتقدميين لصالح حزب الخُضر والمرشحين المستقلين. يرى كثيرون، عن حق، أن ستارمر سياسي يُعطي الأولوية للأسواق المالية على حساب المناخ، ولحلف شمال الأطلسي على حساب التضامن الدولي، ولجهاز الحزب على حساب الحركات الاجتماعية.

لذا، كشفتْ انتخابات 2026 ليس فقط عن مشكلة لستارمر شخصياً، بل عن أزمة أعمق لليسار الوسط البريطاني. فاز حزب العمال بالحكومة في 2024 على خلفية انهيار حزب المحافظين، لا بفضل مشروع اشتراكي، وبعد عامين، تبدّد وَهْمُ (التغيير).

إن استمرار ستارمر بالحزب، كحزب تكنوقراطي مؤقت للطبقة العاملة، لن يُوقف الشعبوية اليمينية. بل على العكس، يُمهّد الطريق لها. لذا، لا ينبغي لليسار أن يكتفي بالمطالبة باستراتيجية جديدة لحزب العمال، بل عليه أن يَطرح تساؤلاً حول إمكانية بناء سياسات الطبقة العاملة البريطانية ضمن إطار حزب العمال الحالي.

 

(*) جريدة شهرية يُصدرها الحزب الشيوعي الدنماركي.

العدد 1219 - 14/10/2026