وداعاً بيازيد عرابي.. الطبيب الإنساني والحالم بمستقبل

يونس كامل صالح:

رحل عنا الدكتور بيازيد عرابي، ابن مدينة جيرود الرابضة على هضبة القلمون المرتفعة. هذا المناضل الذي كرّس حياته كلها من أجل أن تكون حياة الناس أفضل وأجمل وأسهل. ومنذ نعومة أظفاره ارتبط بالحركة العمالية السورية الناشطة آنذاك، في أوائل خمسينيات القرن الماضي، ووهب حياته كلّها لانتصار قيم الإنسانية والحرية، واثقاً بأن هذه القيم ستنتصر، إن عاجلاً أم آجلاً، رغم أنه كان يعلم بأنه قد لا يحيا حتى يرى انتصارها المؤكد.

لقد كان طموحه للعدالة الاجتماعية هو الذي دفعه للانضمام إلى الحزب الشيوعي السوري في بداية النصف الثاني من القرن الماضي وهو لا يزال يافعاً بعد. ومنذ ذلك الوقت لم يبخل بشيء، لا بالجهد ولا بالتعب من أجل حقوق الشعب الكادح، مضحّياً بمصالحه الخاصة. لقد أحس بعمق بمعاناة الشعب السوري، وعندما جاء الامتحان الصعب، أثناء الوحدة السورية المصرية عام ١٩٥٨، قامت السلطات بحملة اعتقالات واسعة شملت الآلاف من الشيوعيين والتقدميين، سبقتها حملة إعلامية ظالمة طالت الحزب الشيوعي السوري وكل من اعترض على الطريقة المرتجلة التي اتبعت لأجل تحقيق تلك الوحدة الهشة. وكان من بين المعتقلين بيازيد. التقيت به في منتصف عام ١٩٥٩، في سجن المزة، ومنذ ذلك الوقت ارتبطنا بصداقة لم تنفصم عراها على امتداد الزمن. تعرّض بيازيد عرابي في السجن للتعذيب والحجز في الزنزانات المنفردة لمُدد طويلة، إلا أن كل ذلك لم ينل من صلابته وقناعته بانتصار قيم العدالة. كان سلوكه في السجن سلوك مناضلٍ يبعث الأمل في صدور رفاقه المعتقلين معه. لقد كان زارع أفراحٍ في جحيم عذاب السجن الضاري. ولقد انتصر بيازيد عرابي على جلاديه.

بعد انهيار الوحدة التي كانت ظاهرياً تبدو أبدية، خرج معتقلو المزة من ذلك السجن الرهيب ومن بينهم بيازيد، الذي انخرط مباشرة مع رفاقه من أجل إعادة بناء الحزب الذي تعرض لضربات قاسية أثناء الوحدة. وبعد انقلاب حزب البعث في البلاد في آذار عام ١٩٦٣،

بدأت من جديد حملة قمع صاخبة موجهة ضد الحزب الشيوعي وغيره من القوى السياسية الأخرى، فانتقل بيازيد للعمل في الخفاء. ولكن فيما بعد وبتوجيه من الحزب غادر البلاد إلى رومانيا حيث حصل على منحة لدراسة الطب، واستطاع بدأب شديد أن يصبح طبيباً. وفي هذا المجال كان نضاله موجّهاً إلى الفئات الكادحة في بلاده. لم يفكر في الثروة، رغم أنه كان يستطيع أن يستغل مكانته كطبيب ليحقق لنفسه حياة مريحة، إلا أن جذوره في الأرض السورية ظلت عميقة عميقة ولم تستطع سنوات القهر أن تقتلعها.

لقد رحل الدكتور بيازيد عرابي عنا مخلّفاً إرثاً إنسانياً يمكن أن تقتدي به أجيال كثيرة من الشباب الذين يحلمون بغد أفضل. لقد خسرناه وخسرته قوى التقدم في البلاد، ولكن ذكراه العطرة ستبقى دوماً، وستبقى قيم العدالة والإنسانية التي ناضل من أجلها حية رغم الأعاصير التي تجتاح العالم.

وداعاً يا صديقي ورفيقي الغالي، ستبقى دوماً في القلب.

 

العدد 1202 - 17/06/2026