رياح التغيير.. هل ستهبّ علينا أيضاً وتوقظنا من النوم؟
يونس كامل صالح:
عندما يثار موضوع التشتت في البلدان العربية، وفي كل بلد عربي تقريباً، يمكن التأكيد أنها تمر بمرحلة لافتة للانتباه، عصية على الفهم، تتمثل في السعي الحثيث للتقهقر إلى ألوان من التشظي والتفتت الطائفي والقبلي والعرقي والديني، في مقابل سعي العالم إلى التكتل في كيانات كبرى تحاول أن تجد مشتركات ثقافية واقتصادية لتعايش قوميات متباينة ومتعددة. لقد أثبتت العولمة الحديثة، بالرغم من كل الصراعات السابقة التي شهدها العالم على مدى عقود ولا يزال يشهدها اليوم، أن الهويات القومية لا تندثر، وإنها قادرة على التناغم والتفاهم والعمل في إطار حياة مشتركة يتعايش فيها العالم ويتعاون تفادياً للكوارث والدمار، وبحيث تصبح هذه العولمة عامل تقدم لتلك الشعوب والهويات لتأسيس مجتمع البشرية الجديد، وطبعاً لن يتحقق ذلك دون نضال جاد من قبل شعوب العالم.
أما واقع البلدان العربية، وكل بلد منها على حدة تقريباً، فيجد نفسه غائباً تماماً عن هذه الرؤية العالمية وكأنها لا تعي مسار حركة التاريخ البشري المعاصرة، وهي حركة تسير وتتقدم وتتشكل، متجاوزة الصراعات المذهبية والاختلافات الأثنية، متطلعة لبناء عالم تجمعه المصالح البشرية، وفي مقدمتها حقوق الإنسان، وحقوقه في الحرية والمشاركة في تقرير حياته ومعاشه وصحته، ولتحقيق تضامن شعبي على مستوى العالم لضمان الأمن والسلام للبشرية ولتجنيبها كوارث الحروب وأسلحة الدمار الشامل، ولمواجهة الكوارث الطبيعية المتنامية.
لقد أحدث التطور العلمي في مجال الاتصال والتواصل حركة تاريخية لم يشهدها العالم في تاريخه من قبل، سواء في وسائل النقل الحديثة براً وبحراً وجوّاً، التي جعلت انتقال البشر بين القارات حركة مستمرة ومتواصلة، وسهّلت تلك الحركة التواصل وتبادل المعرفة بين شعوب الكرة الأرضية على نحوٍ روتيني ويومي. أما ما أضافه العلم من مخترعاته الحديثة في الاتصال عبر الهاتف والانترنت بالكلمة والصوت والصورة، فقد ألغى كل الحدود والحواجز بين البشر على مستوى الأرض كلها، وأدى إلى أن تتخطى شعوب العالم دولها وأنظمتها وتتلاقى مباشرة من دون قيود أو حدود من أي نوع.
إن هذا التطور الهائل في وسائل الاتصال كشف الغطاء عن البلدان العربية وأدخل شعوبها في شبكة الاتصال هذه، وبدأ يفتح العيون والآذان على حجم الحصار الذي تعيشه شعوبها، ومدى التخلف عما يدور في العالم من حوله. وإن العقود الطويلة التي عاشتها، ولا تزال تعيشها تحت أنظمة حاكمة حرمتها الحرية وعزلتها عن إخوتها، ورسخت في أرجاء أوطانها قيم القبيلة والطائفة والمذهب على حساب الوطن والدولة والقانون والتعاون في إطار تجتمع تحت ظله هذه الشعوب بمصالح مشتركة، فأثقلت بآثارها الكارثية على مواطني هذه البلدان، وراكمت من شعورهم بالإحباط واليأس من حكامهم وحكوماتهم. إن ما أسهم في تفاقم هذه الأوضاع هي أنظمة الحكم المطلقة عبر مظاهر الاستبداد والتسلط، وعبر العمل من أجل قهر شعوبها وعزلها عن المشاركة في القرار والرقابة، بحيث أصبحت مهمشة وعاجزة ولا ترى في نفسها القدرة على اتخاذ أي قرار يتعلق بحياتها ومستقبلها. ولقد أدى هذا الوضع غير الطبيعي، والذي يتنافى مع التطورات العاصفة التي تجري في العالم، وغير المنطقي، الذي فرضته سياسة التفرد والعزلة على الشعوب في البلدان العربية، إلى ظهور نعرات شعبوية لم تكن معروفة من قبل. وأصبحت الأوطان غلافاً شفافاً قابلاً للكسر بسهولة نتيجة لهذه التربية الخاطئة والممارسات الاستبدادية، وظهرت مؤشرات جديدة على المنطقة تمثلت في محاولة إعادة التاريخ إلى الوراء، وساهمت هذه الأنظمة في فتح الطريق لتسلل أفكار متطرفة في رؤيتها تعمل لفرض أفكارها وتقاليدها على المجتمع.
وأخيراً هل ستبقى شعوب منطقتنا غارقة في سباتها، أم أن رياح التغيير التي تهب على العالم سوف تهب علينا أيضاً وتوقظنا من النوم؟