عشر دقائق هزت لبنان .. نيسان الدم يزهر الشهداء وشقائق النعمان

الدكتور سلمان صبيحة:

ما إن تنفس العالم الصعداء واستبشر خيراً  بإعلان مؤقت لوقف إطلاق النار والعمليات العسكرية بين أمريكا المتوحشة وربيبتها المسعورة والهائجة من جهة، وإيران من جهة أخرى، لمدة خمسة عشر يوما، حتى استيقظ العالم صباح يوم الأربعاء ٨/٤/٢٠٢٦،على وقع مجزرة دموية رهيبة يندى لها جبين الإنسانية، قامت بها قوات الاحتلال الاسرائيلية الغاشمة بإطلاق ١٠٠ صاروخ دفعة واحدة خلال أقل من عشر دقائق على  لبنان، راح ضحيتها بحسب المعلومات الأولية حوالي ٣٠٠ شهيد وشهيدة  وأكثر  من ١٧٠٠ جريح، كلهم من المدنيين الأبرياء العزل بينهم نساء وأطفال وشيوخ، ولايزال البحث جارياً تحت الأنقاض عن مفقودين  بأمل العثور على أحياء أو لانتشال جثامين للشهداء، وأظهرت مشاهد متداولة على منصات التواصل الاجتماعي حجم الدمار والخراب الهائل الناتج عن الغارات، التي طالت عشرات المناطق في العاصمة بيروت، إلى جانب البقاع والهرمل ومدينة صور ومناطق واسعة في جنوب لبنان، الأمر الذي يدحض بشكل قاطع رواية المحتل الاسرائيلي بأن الهجوم استهدف المواقع العسكرية والبنية التحتية للمقاومة، كما أفادت تقارير أخرى بأن إحدى الغارات طالت مقبرة في بلدة شمسطار أثناء تشييع جنازة، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء المدنيين الأبرياء، إضافة إلى دمار كبير لحق بالمقبرة، في إشارة إلى حجم الحقد والغل والارهاب الصهيوني الذي طال حتى الأموات في قبورهم .

إن هذه المجزرة الفظيعة التي ارتكبها الكيان المحتل وما نتج عنها من حجم الخسائر البشرية والدمار المخيف في الأبنية السكنية، وهذا الإصرار على القتل المتعمد للمدنيين العزّل تثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف الحقيقية للضربات العنيفة التي نُفّذت، وجعلت شهر نيسان الدامي في لبنان يزهر شهداء على شكل شقائق النعمان تتمايل مع كل نسمة هواء وتصرخ: نموت ولا نركع.

إن هذه المجزرة والمذبحة الأليمة النكراء والمدانة بكل المقاييس والمعايير، التي ارتكبت بحق لبنان مؤخراً كانت بأوامر مباشرة من السفاح المجرم نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي من خلال مذكرة اعتقال رسمية بحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، وتشمل جرائم القتل والتجويع المتعمد كأداة حرب والملاحقة ونقل السكان، وهي مذكرات سارية المفعول حتى الآن ومُلزمة لـ ١٢٤ دولة.

لقد أدانت غالبية دول العالم هذه المجزرة الرهيبة التي أكدت للجميع فاشية ونازية العدو الإسرائيلي، وأظهرت للعالم أجمع الطبيعة الإرهابية لهذا الكيان الاسرائيلي الغاصب الذي لا يستطيع أن يعيش دون حروب ودمار واعتداءات وحشية، واحتلال وقضم للمزيد من الأراضي  وارتكاب المذابح والمجازر الإرهابية والإبادة الجماعية، وممارسة كل أشكال وأنواع الموبقات، ضارباً بعرض الحائط كل القوانين والمعاهدات والأعراف والبروتوكولات  الدولية التي تمنع الاعتداءات على المدنيين العزل وتدعو وتحض على حمايتهم، وتقر بحق الدول والشعوب في مقاومة أي احتلال لها، والدفاع عن نفسها أمام أي اعتداءات على أراضيها وحماية استقلالها وسيادتها وعدم انتهاك أجوائها ومياهها الإقليمية  .

إن هذه المجزرة التي ارتكبت بدم بارد خلال عشر دقائق لم تهز لبنان فقط بل هزت كل ما تبقى من الضمير العالمي بأسره وأكدت ما يلي:

١-  إن ما ترتكبه حكومة الكيان من جرائم ضد لبنان، وفي غزة وجميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليس ببعيد عن الطبيعة الاجرامية للصهاينة، والمجزرة الجديدة تضاف الى سجلهم الأسود، المليء بالمجازر وبالحقد على الإنسان وقيمه، وعلى سلامة واستقرار المنطقة.

٢ – كل هذه المجازر وما رافقها من دمار وخراب في المنطقة لم ولن تثني شعوب هذه المنطقة وخاصة في فلسطين ولبنان عن الاستمرار في النضال حتى تحرير جميع الأراضي المحتلة وتحقيق النصر المؤزّر.

٣- يبدو أن هؤلاء الإرهابيين قتلة البشر والحجر، نسوا أو تناسوا وجود مقاومة بطلة صامدة، مازالت تقارع العدو الغاصب سواء في غزة أو في لبنان، وكيف واجهته سابقاً وهزمته وانتصرت عليه وحررت الأرض، واليوم العالم كله يرى كيف هذه المقاومة تواجه العدو بكل صلابة وتسطر وقفات العز في مواجهة لا نستطيع أن نصفها إلا بالإعجاز لما يقوم به شبابها وخلفهم بيئة صابرة، صامدة، متمسكة بمقاومتها الشريفة وخيارها الوطني النبيل.

في الختام أقول نأمل من المجتمع الدولي أن لا يقوم فقط بإدانة هذه الجرائم والمجازر، بل وبالعمل الفوري على وجوب توقفها بدون قيد أو شرط، وعلى المنظمات الدولية وحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وكل القوى الخيرة والمحبة للسلام في المنطقة وفي كل دول العالم أن تنهض بمسؤولياتها وتتحرك بشكل سريع وعاجل للجم الثور الهائج مجرم الحرب الإرهابي نتنياهو لإيقاف عدوانه المتواصل على لبنان، وشل ماكنة القتل والرعب الممنهج الصهيونية وانقاذ شعب لبنان الشقيق وتوفير الحماية له.

المجد والخلود لشهداء مجزرة الاربعاء الدامي والشفاء العاجل للجرحى!

كل التضامن مع الشعب اللبناني ومقاومته الباسلة وقواه الوطنية والديمقراطية!

 لبيروت المنكوبة وللبنان توءم سورية من قلبي سلام!

العدد 1194 - 15/04/2026