مفاوضات تحت النار

د. نهلة الخطيب:

عندما تعجز الأساطيل الأمريكية والإسرائيلية مجتمعة عن تحقيق الأهداف التي رسمت لها في حرب الغضب الملحمي، فذلك المشهد يستدعي التوقف!! عادة في الحروب ما يبنى عليه ليست الخسائر وحجم الدمار، ما يبنى عليه ما الذي حققته على المنظور الاستراتيجي. لا شك في قدراتهم على التدمير والقتل ولكن ما الذي تحقق نتيجة هذا الدمار وإيران لم تخسر الكثير استراتيجياً ولكنها حققت أهدافاً وهذا ما تذهب به إلى المفاوضات وهو السيطرة على مضيق هرمز، لا يفل الحديد إلا الحديد. ليست المسألة مبالغة في توصيف القوة الإيرانية التي تمتلك أقوى برامج الصواريخ بالعالم مما سيصنفها كقوة عظمى في السنوات القادمة، لا إنكاراً لقوة وهيمنة أمريكا بل دلالة واضحة على أن موازين القوة لم تعد كما كانت، وأن إرادة المواجهة قادرة على فرض معادلات جديدة حتى في أكثر النقاط حساسية في العالم.

إلى الآن لم يستوعب ترامب خسارته في إيران ويريد أن يصنع انتصاراً لكي يبرر الخسائر من هذه الحرب، ولم يستوعب العالم هزيمة أمريكا ولكن الصورة بدت واضحة بعد ما يقارب 40 يوماً من الحرب، والحرب لم تصل إلى المطلوب بل فقدت أمريكا هيبتها وسيطرتها على العالم وخسرت عمقها الاستراتيجي (أوربا وكندا وأستراليا) وبدت وحدها الا نتنياهو بمواجهة التحدي والصمود الإيراني، فهذه الحرب لا منتصر ولا مهزوم، حرب من يصمد أكثر، فاستراتيجية إيران إطالة أمد الحرب ونقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي واستهداف القواعد الأمريكية في الخليج رفعت التكلفة الاقتصادية للحرب وكشفت السقوط الردعي والأخلاقي والعسكري لأمريكا وإسرائيل معاً كدول مارقة وجعلتها مكلفة سياسياً على ترامب في الداخل الأمريكي وفي الشرق الأوسط فبدأ الصراخ لإيقافها.

بدأ وقف مؤقت لإطلاق النار ولكن لبنان يحترق، هناك نقاط عشر طرحتها إيران تطرقت فيها للاعتداءات على الجنوب اللبناني ووقف التصعيد الإسرائيلي وإلا تنهي الهدنة والمفاوضات، ولكن إسرائيل تسيطر على قرار ترامب عبر مساومته بملفات إبستين والتلويح مؤخراً بورقة زوجته ميلانا، ونتنياهو يرفض حتى الآن تضمين لبنان وقف اطلاق النار، بل يطلب بإلحاح استعمال النووي الإسرائيلي ضد إيران أو فلتقم أمريكا بذلك، مفاوضات تحت النار وترامب بغطرسة القوة والغرور مازال يتحدث عن تصعيد عسكري وحاملات طائرات وسفن متوجهة إلى الشرق الأوسط وتهديد مستمر للضغط وقبول سلام غير مرضٍ (الاستسلام التام) لاحتلال إيران والسيطرة على نفطها مقدمة لاحتلال العالم، هذا حلمه ولكن حضور حاملات الطائرات والحشود العسكرية الضخمة لم يغيّر شيئاً طيلة مدة الحرب، بل نحن إزاء واقع فرض نتيجة الحرب يراد له أن يكون الأرضية للتفاوض، فإيران تحكم سيطرتها على المضيق دخولاً وخروجاً، وأمريكا تريد تسويق روايتها أنها تسيطر على الوضع بما فيها مضيق هرمز وأن قواتها موجودة تدخل وتخرج منه بحرية، وهذا لا يتجاوز البروباغندا الإعلامية ولطالما أتقنها رجل البيت الأبيض ترامب.

إيران موقفها الآن أصلب بكثير من مفاوضات قبل الحرب والتهديد بشن الهجوم والتدمير بعد الحرب فقد معناه ولم يتحقق ما تم الاعلان عنه رغم تصريحات النصر من ترامب ونتنياهو والقضاء على قوة إيران بالكامل، لكن فعلياً نرى أن إيران بكامل قوتها وكل ما هو أمريكي وإسرائيلي أصبح هدفاً لها ولاتزال تطلق الصواريخ الباليستية والانشطارية ولديها احتياطي كبير حسب تقارير استخباراتية أمريكية إضافة إلى أن شكل الحرب اختلف عن السابق (حرب مسيّرات) وهذا تكتيك جديد دخل حرب أوكرانيا وهذه الحرب والمنتصر يفرض شروطه، ولكن إيران تمتلك أوراق قوة أكثر: وقف حركة الملاحة في مضيق هرمز، والتهديد بالتصعيد في باب المندب، اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، وإيذاء اقتصاد دول الخليج وهو عصب الاقتصاد الأمريكي المترنح أصلاً.

المفاوضات كانت الصعبة يلزمها تنازلات صعبة وهي عصية ونحن أمام هدنة مؤقتة لا أكثر والقادم أسوأ، ركزت إيران على وجود دي فانس الذي كان معارضاً للحرب، وترامب أصر على اختيار فريقه المفاوض رغم رفض إيران له ويتكوف وكوشنير وهما من وضعا خطط الحرب وأفشلا الجولات السابقة من المفاوضات، ويرى أن فريقه سيخدم بني صهيون ويحقق نبوءاتهم وهو ماض في مسعاه، ترامب الذي نقض الاتفاق النووي مع إيران 2018 قد ينقض أي اتفاق آخر حينما يشعر أن الفرصة مناسبة للانقضاض عليها وكل المؤشرات واردة الحدوث لكن في الوقت الحالي صعبة جداً لأن قدرة إيران على إيلام أمريكا وإسرائيل كانت مؤثرة جداً. باكستان كدولة نووية وسيط ضعيف بلا مخالب لا تستطيع ممارسة الضغط على طرفي الصراع.

إيران خدعت مرتين وها هي ذي تخدع للمرة الثالثة، انسحاب دي فانس الذي لم يذهب للتفاوض إنما لفرض إملاءات يؤكد أن المفاوضات ليست الا خدعة كسابقاتها لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأهداف وضبط أسعار الطاقة لإنعاش الاقتصاد العالمي وحشد المزيد من الامدادات والذخيرة للتحضير لتصعيد أخطر واعادة الانقضاض من جديد لتدمير الشرق الأوسط واعادته للعصر الحجري كما وعدنا ترامب، فماذا عن اليوم التالي؟؟ تهديد نتنياهو لتركيا واستفزاز أردغان باتهامه بذبح الأكراد، تحركات أمريكية إسرائيلية كبيرة في منطقة الخليج لتحقيق الانتصار ولو من خلال احتلال جزيرة خرج وانهاء المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني وصولاً لنهر الليطاني، تشكيل تحالفات خليجية استعداداً للمواجهة الكبرى في حال الانسحاب الأمريكي ووصول قوات باكستانية إلى السعودية بناءً على اتفاقية الدفاع المشتركة، فالحرب ستعود أشد وطأة على الجميع ما دمنا بعهدة ترامب ونتنياهو، (توماس فريدمان في نيويورك تايمز يصف ما يجري بأنه انتحار أمريكي في غرف الغاز).

العدد 1194 - 15/04/2026