الحرب التي كشفت عورة ترمب: أهم تداعياتها تقبيل مؤخرته
د. نهلة الخطيب:
النظام الدولي يتصدع وأمريكا قوة الأمر الواقع التي بنت النظام الدولي مع حلفائها الغربيين هي اليوم من تفكك النظام الذي بنته، أمريكا تفكك النظام عندما تصطدم بحلف الناتو وأوربا وتريد الاستيلاء على غرينلاند وكندا، فتحول الحلفاء إلى أعداء، وعندما يتجاوز ترامب حدوده بالتعدي على الحديقة الخلفية للصين ومواردها النفطية في فنزويلا، والآن في إيران، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا يمكن فصلها عن الصراع المستمر بين أمريكا والقوى المتمردة التي تسعى لقلب النظام، روسيا والصين أمام أمريكا على المستوى الدولي قوى كل منها تنزع بطبيعة الحال إلى أن تكون إمبراطورية كبرى، إيران وكوريا الشمالية على مستوى الإقليم قد تشكل هذه الحرب نقطة تحول خطيرة وكأنها في طريقها إلى صدام دولي قد يشمل عدة نطاقات مفتوحة حتى لو كانت المواجهة الكبرى مع الصين مؤجلة ولكنها قادمة ولو بعد حين.
لاشك أن ما يحدث الآن في مضيق هرمز جولة من جولات اللعبة الكبرى بين القوى العظمى التي تقوم على استعراض القوة العسكرية المستند على الاقتصاد، لتخرج روسيا بفائض نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز، وستزداد الأسعار في حال إغلاق مضيق باب المندب، وتخرج الصين بأحدث الأسلحة (أسلحة فرط صوتية وأسلحة ليزرية متطورة أسلحة نووية) وبدعم لوجستي غير معلن في تحدِ مباشر للهيمنة الأمريكية لتخبر ترامب أنه تجاوز مع إيران خطاً أحمر يؤثر على أمنها القومي، فالكل يرى مصلحته الجيوسياسية في هذا المستنقع الإيراني، الآن أولوية ترامب تطلعاته الجيوعقائدية بالقضاء على المسلمين ونهب خيراتهم وإرغامهم على تقبيل مؤخرته ولا خيار لهم، وتغيير جغرافيا الشرق الأوسط لتحقيق مبتغاه ومبتغى نتنياهو بإقامة إسرائيل الكبرى.
لم يكن هناك مفر من الصدام الحالي مع تعارض المشروعين الإيراني والإسرائيلي بين ما تريده إيران للمنطقة وما تريده أمريكا وإسرائيل لها، فهناك بعد استعماري في الصراع القائم، ما شهدته إيران من تمرد داخلي مدعوم من إسرائيل مقدمات لما يحدث اليوم من حرب عليها، فكانت المفاجأة الالتفاف الشعبي حول العلم فخسرت الرهان، ومع دخول الحرب شهرها الثاني إيران بعقيدتها الجهادية جاهزة لكل أشكال المواجهة فعلت ما تستطيع وبحسابات دقيقة تتعامل بندية وجسارة عالية، وهي تملك لكل تهديد من العدو ردّاً مماثلاً في التدمير والايلام ربما يكون السلاح النووي في القبو، ونجحت في فتح المعركة على مختلف الأصعدة، فكان الرد الإيراني على إسرائيل بالمثل وخسائرها كبيرة يلفها التعتيم الاعلامي، دخلت عناوين جديدة في هذه المواجهة وغيرت من ميزان القوة والردع. الجغرافيا هنا أهم عنوان فيها مضيق هرمز، إيران حصرت أمريكا في زاوية ضيقة، فالحرب ليست فقط عسكرية إنما اقتصادية، إغلاق مضيق هرمز وما يمثله من تهديد لأمن الطاقة العالمي، من مضيق هرمز أشعلت فيها منطقة الخليج وفجرت آبار وناقلات النفط إلى استهداف المصالح والقواعد الأمريكية وإشراك حلفائها في معركتها في لبنان والعراق واليمن، هناك حالة تأهب لحرب واسعة جداً قد تطول سنين إن لم تصل إلى حرب نووية، وترامب بين خيارين: النصر واستسلام إيران وهذا استحالة إلا اذا خرجت إيران من جلدها وهذا ما لم ولن يحدث، أو ضربة فورية قد تكون نووية والجميع يدفع لها في إسرائيل، فالخطر الحقيقي في التاريخ يظهر عندما يكون هناك مجانين على رأس السلطة، وكلنا نعيش الجنون الأمريكي والإسرائيلي وكلاهما ينذر أن ترامب في مأزق وجودي بمستقبله السياسي وأنه السقوط الأمريكي في الشرق الأوسط، هذا ما يفعله ترامب ليجعل أمريكا أولاً!
تهديد ووعيد ثم يعلن عن مفاوضات، مفاوضات ترامب مع نفسه وإيران لا تعلم بها! أمريكا خسرت الحرب ولم يستجب حلفاؤها التقليديين لنجدتها وقد ساهم في ذلك غباء ترامب الذي قلم أظافره بلسانه عندما كان يستخف بحلفاء الأمس، يمكنك أن تبدأ حرباً لكن لا يمكن إنهاؤها أو التنبؤ بمسارها حتى لو كانت أمريكا أو إسرائيل، فالحروب تدور بأجواء ضبابية، ترامب اتخذ البرنامج النووي حجة لشن الحرب رغم أن إيران قدمت مقترحاً لأمريكا يضمن أن لا تمتلك إيران سلاحاً نووياً وتحويل فتوى الخامنئي إلى قانون من خلال مجلس الشورى يحرم ويجرم أي سعي لامتلاك سلاح نووي، وزير الحرب الأمريكي بيت هيسغت الرجل الذي يقدس الحروب الصليبية تحدث: (إنه لا ينبغي لنا أن نسمح لأنظمة مجنونة كإيران مسكونة بأوهام تنبئية إسلامية بامتلاك أسلحة نووية)، ونتنياهو لم يتوقف عن لعبته بجر أمريكا إلى هذه المواجهة التي طالما تمناها (هو ذا الشعب يقوم كاللبوة ويرتفع كالأسد ولا يرقد حتى يأكل الفريسة)، والإيرانيون أخطؤوا بقراءة شخصية ترامب، وهو الذي دفعهم للتفاوض معه أكثر من مرة، والنظر له بأنه رجل أعمال يريد إنجاز صفقة وتجاهل البعد الصهيوني في شخصيته وحرصه على حماية إسرائيل، وهي أهم أسباب الحرب، وظف ترامب وإدارته لتحقيق الحلم التوراتي وتم الضغط عليه بأوراق إبستين ولو تناقض مع مصلحة أمريكا، قامر بسمعة بلده وأمريكا خاسرة حتى لو حققت نصراً عسكرياً.
الآن إسرائيل ماضية في تحقيق أهدافها في المنطقة بعد أن وجهت ضربات لإيران ضمن أولويات حرب الوجود في عملية زئير الأسد، لأن التهديد الإيراني لإسرائيل له عناوين أخرى: عدد الانتاج والبحث العلمي تنظر له إسرائيل بعين القلق، توطين البرنامج النووي على أيدي علماء إيرانيين (30 ألف) عالم إيراني من فئات عمرية مختلفة، (فمن الممكن أن تقصف مفاعلاً نووياً، لكنك لا تستطيع نزع هذا العلم من صدور الإيرانيين). والقول لخامنئي، البرنامج الصاروخي الإيراني الذي يشكل تهديد جدي على إسرائيل أكدته الأيام الأولى للحرب بإصابة أهداف محصنة وبدقة عالية أثارت صدمة ترامب ونتنياهو على السواء، وهناك أكثر من ميزة للبرنامج صناعة محلية وكلفة قليلة وإنتاج مستمر وبأماكن متعددة، فأصبح عصيّاً على الاختراق.
إن كان العالم كله تقريباً سيتضرر من هذا الجنون الأمريكي خاصة القوى الكبرى مثل الصين وروسيا والخليج وأوربا، فكيف نفسر صمت كل هؤلاء على ما يحدث وسيحدث؟ هل هو الخنوع لقوة الأمر الواقع أم هو انتظار الوقت المناسب لخلط الأوراق من جديد وقلب الموازين؟! ربما الكل ينتظر نقطة تحول تسمح بخلط الأوراق بكلفة أقل واحتمال نجاح أعلى للانقضاض، وماذا لو تحقق حلم نتنياهو وقضى على إيران وتوسع الكيان؟؟ عندئذٍ سنجد الدول العربية أمام استحقاقات جديدة وخطيرة: تقبيل مؤخرة ترامب والتطبيع الإبراهيمي!!!