الرأسمالية المتوحشة وأدوات الهيمنة الإمبريالية الأمريكية في المنطقة العربية: فلسطين في قلب الاستهداف
بقلم: محمد علوش / عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني:
لم تعد الهيمنة في النظام الدولي المعاصر تختزل في الاحتلال العسكري المباشر، بل غدت منظومة متشابكة من أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري والإعلامي، تعمل ضمن بنية رأسمالية متوحشة لا ترى في العالم سوى مجال مفتوح لتوسيع الأسواق وتعظيم النفوذ، وفي هذا السياق، تمارس الولايات المتحدة دورها بوصفها القوة الأكثر تأثيراً في صياغة ملامح النظام الدولي، مستندة إلى تفوقها العسكري وقدرتها على التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي وشبكات التأثير السياسي والثقافي.
لقد تجاوزت الرأسمالية المعاصرة حدودها التقليدية كمنظومة اقتصادية لتتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، حيث تتكامل أدوات المال مع أدوات القوة، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاستراتيجيات العسكرية، في محاولة دائمة لإعادة إنتاج التبعية ومنع تشكل نماذج تنموية مستقلة، لا سيما في المناطق التي تتمتع بأهمية استراتيجية، وفي مقدمتها المنطقة العربية.
في هذا الإطار، تشكل السياسات الاقتصادية المفروضة، من خلال برامج الإقراض المشروط واتفاقيات التجارة غير المتوازنة، أحد أبرز مداخل النفوذ، إذ غالباً ما تدفع الدول نحو خيارات اقتصادية تؤدي إلى إضعاف دور الدولة التنموي، وتفكيك القطاعات الإنتاجية، وتحويل الاقتصادات الوطنية إلى أسواق استهلاكية تابعة، وقد أدى ذلك إلى تعميق الاختلالات الاجتماعية، وتآكل الطبقات الوسطى، وتراجع القدرة على بناء اقتصاد وطني مستقل.
وفي السياق ذاته، أصبحت العقوبات الاقتصادية أداة مركزية في إدارة الصراع السياسي، حيث يجري توظيفها لإجبار الدول على إعادة تموضعها ضمن الفلك السياسي للقوة المهيمنة، حتى وإن كان الثمن تفاقم الأزمات الإنسانية والمعيشية للشعوب، وهو ما يكشف الطبيعة القسرية لهذه السياسات التي تضع الاعتبارات الجيوسياسية فوق القيم الإنسانية.
ومع ذلك، تبقى القوة العسكرية هي الأداة الأكثر حسماً في تثبيت معادلات الهيمنة، سواء عبر الانتشار العسكري المباشر، أو من خلال منظومات الردع والتحالفات، أو عبر الدعم المفتوح للحلفاء الإقليميين، بما يحفظ التفوق الاستراتيجي ويحول دون أي تغيير جوهري في موازين القوى.
ضمن هذا المشهد، تتصدر القضية الفلسطينية موقعها بوصفها التعبير الأكثر وضوحاً عن اختلال العدالة الدولية، حيث يستمر الاحتلال الإسرائيلي في فرض سياسات الأمر الواقع، مستنداً إلى دعم سياسي وعسكري أمريكي، الأمر الذي أسهم في إطالة أمد الصراع، وتعطيل فرص الحلول العادلة، وترك الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة الاحتلال في ظل عجز دولي واضح عن فرض قواعد القانون الدولي.
وقد كشفت الحرب التدميرية المستمرة على قطاع غزة عن عمق المأزق الأخلاقي الذي يعيشه العالم، فقد تجاوزت العمليات العسكرية حدود المواجهة التقليدية لتطول البنية المجتمعية برمتها، من خلال التدمير واسع النطاق، واستهداف مقومات الحياة، وتفاقم الكارثة الإنسانية نتيجة الحصار ومنع وصول الإمدادات الأساسية، في مشهد يعكس عجز النظام الدولي عن حماية القيم التي يعلنها.
إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية وبضمنها القدس لم يعد مجرد حلقة في صراع طويل، بل تحول إلى معيار حقيقي لاختبار مصداقية الخطاب الدولي حول حقوق الإنسان، في ظل استمرار استهداف المدنيين، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، وخضوع القانون الدولي لموازين القوة، بما يعمق الإحساس بازدواجية المعايير وفقدان العدالة المتوازنة.
وفي موازاة ذلك، فإن تصاعد الاعتداءات على لبنان، واستمرار سياسات الضغط والتصعيد تجاه إيران، يعكسان توجهاً قائماً على إدارة التوترات بدل معالجتها، بما يبقي المنطقة في حالة استنزاف استراتيجي دائم، ويحول دون توافر شروط الاستقرار الضرورية للتنمية، كما تشير هذه السياسات إلى سعي واضح لمنع تشكل توازنات إقليمية جديدة قد تحدّ من الهيمنة الأحادية، الأمر الذي يفسر استمرار الضغوط والعقوبات، وصولاً إلى المواجهات غير المباشرة، وأحياناً الضربات العسكرية المباشرة.
ولا يمكن فهم هذه المعادلات بمعزل عن الدور المؤثر الذي تلعبه المنظومة الإعلامية العالمية، التي باتت شريكاً في تشكيل الوعي السياسي، عبر إعادة إنتاج الروايات، وانتقاء الوقائع، وتقديم الحروب ضمن سياقات تبريرية، أو التقليل من كلفتها الإنسانية، بما يجعل الصراع على الرواية جزءاً أساسياً من الصراع على الأرض والقرار.
إن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تتحقق عبر ردود فعل آنية أو خطابات سياسية تقليدية، بل تتطلب رؤية عربية جديدة تقوم على إعادة بناء عناصر القوة الذاتية، من خلال اقتصاد إنتاجي، وعدالة اجتماعية، وتعليم حديث، ومؤسسات سياسية قادرة على تعزيز المشاركة والمساءلة، بما يعزز صمود المجتمعات وقدرتها على حماية قرارها الوطني.
كما أن تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز العمل العربي المشترك، وتخفيض مستويات الاعتماد الأحادي على القوى الكبرى، يمكن أن يشكل مدخلاً واقعياً لاستعادة قدر من التوازن في العلاقات الدولية، ويمنح الدول العربية قدرة أكبر على الدفاع عن مصالحها، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
وفي ظل التحولات الجارية في بنية النظام الدولي، وتراجع فكرة القطب الأوحد، تبرز إمكانية إعادة تموضع المنطقة ضمن معادلات أكثر توازناً، غير أن ذلك يظل مرهوناً بقدرة الدول العربية على بلورة إرادة سياسية مشتركة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، تحول الإمكانات الكامنة إلى مصادر قوة فعلية.
وسط هذه التحولات، ستبقى فلسطين القضية التي تكشف جوهر الصراع في المنطقة، والبوصلة التي تفضح حقيقة الاصطفافات الدولية، لأن أي حديث عن العدالة يظل ناقصاً ما لم يشمل إنصاف الشعب الفلسطيني، وأي استقرار لا يقوم على إنهاء الاحتلال سيبقى استقراراً مؤقتاً وقابلاً للانفجار.
إن معركة هذه المرحلة لم تعد فقط معركة الأرض، بل أصبحت أيضاً معركة الإرادة السياسية، والاستقلال الاقتصادي، والتحرر من التبعية للاستعمار الامبريالي، وصون الوعي الوطني، وهي معركة طويلة ومعقدة، لكنها تظل مفتوحة على إمكانية التغيير، ما دامت الشعوب متمسكة بحقها في الحرية، وقادرة على تحويل صمودها إلى مشروع تاريخي يصنع مستقبلاً أكثر عدالة وكرامة.