صفحات من تاريخ الأول من أيار في فلسطين
في 6 أيار كانت البداية: درب الشهادة.. سار عليه ألوف السوريين حين ارتجفت أمراس المشانق التي علّق عليها الاستعمار العثماني أجساد المناضلين من أجل تحرير البلاد من الظلمة والانغلاق.. والنهب التركي، أدرك العالم بأسره أن سورية لن تكون بعد ذلك اليوم لقمة سائغة لأي طامع أو مستعمر، وأن السوريين يدخرون دماءهم كما الوفاء حباً لبلادهم.. ودفاعاً عن كرامتهم. درب الشهادة دفاعاً عن سورية وشعبها، سار عليه الآلاف بعد ذلك، والاستعمار الفرنسي ذاق نيرانهم.. ورحل بعد أن عانقت أعلام سورية الاستقلال شواهد أضرحة شهداء الحرية والاستقلال، والكيان الصهيوني لمس تضحياتهم وبذلهم لمقاومة عدوانه ومخططاته التوسعية. إنه قدر السوريين، فسماء بلادهم وأراضيها ومياهها يسيل لها لعاب وحوش العصر الحديث، ورثة حقبة الاستعمار التي أرهقت البشرية في الماضي، ويسعى هؤلاء الورثة إلى استعبادها اليوم. سوريا غدت اليوم أرض الشهداء، ولكنها أيضاً غدت المدافع الأبرز لا عن شعبها فحسب، بل عن شعوب الأرض في مواجهتهم للإرهاب الأسود.. الذي يغتال تطلّعات الناس إلى الديمقراطية والعدل.. والمساواة.. والعلمانية.. والتقدم. المجد لأرواح شهداء سورية في ملاحمها الوطنية الخالدة. السوريون لن ينسوا تضحيات شهدائهم.
د. ماهر الشريف:
كانت الصحف والمجلات الشيوعية هي أول من عرّف العمال العرب في فلسطين، منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين، بالأول من أيار. فقد لجأت «مجلة حيفا» العلنية، التي صدر عددها الأول في 21 تشرين الأول/أكتوبر 1924، إلى أسلوب التخاطب المباشر مع هؤلاء العمال الذين تغلب عليهم الأمية، إذ أكدت إدارة هذه المجلة، بمناسبة عيد الأول من أيار سنة 1925، أن دورها يتمثّل في «الأخذ بيد العامل والفلاح ورفعهما عن أرض الشقاء والفقر المادي والمعنوي إلى مستوى الحياة»، ودعت جماهير العمال العرب لحضور «حفلة حية» تتكلم فيها «مجلة حيفا» في بستان الانشراح، «حيث يقف الخطباء ويتكلمون كل في موضوع من المواضيع التي تطرقها المجلة، فيُبتدأ بالافتتاحية وما بعدها، وما بعدها، حتى تتم مواد المجلة، بحيث يؤلف من ذلك عدد ناطق كما يحدث غالباً في المدن الأوروبية الراقية ومن ثم يطبع هذا العدد ويكون ممتازاً «، مضيفةً بأنه « ستتخلل الخطب مناظر سينما «، وأن ريع الحفلة سيخصص لإعانة «جرحى ومصابين [في] حادثة دمشق أثناء زيارة بلفور صاحب الوعد المشؤوم لها»، وأن الدخول إلى الحفلة «مباح لأي شاء من العمال مجاناً».
أما المقال الافتتاحي للعدد الثاني والثالث من مجلة «إلى الأمام» السرية، الصادر في أيار/مايو 1929، بعنوان: «أول أيار»، فقد عرّف العمال العرب الفلسطينيين بعيد العمال العالمي، الذي «تُضرب فيه العمال عن الشغل في كل ممالك الأرض وتمشي في المظاهرات الساخطة يظهروا اتحادهم الدولي واستعدادهم للجهاد»، وحرّضهم على المشاركة في هذا اليوم، على الرغم من «عددهم القليل» ومن كونهم «مشتتين في المصانع والمشاغل الصغيرة جداً»، وذلك لأن قوة طبقة العمال «لا تقاس بعدد أفرادها فقط بل بقيمة ما يعمله هؤلاء الأفراد للمجموع»، ولأن عمال فلسطين يناضلون بين صفوف الملايين المجاهدة من إخوانهم العمال في العالم «. وبعد أن أشار كاتب المقال إلى أن الثورة تحتاج «إلى تمرين وتدريب»، توفرهما المظاهرات والمصادمات مع البوليس، «دعا، باسم العمال الشيوعيين والمتنورين، عمال فلسطين من يهود وعرب إلى الإضراب عن الشغل، وينظموا المظاهرات ويصطدموا مع البوليس ولا يبالوا بعددهم القليل في المظاهرات وغرضهم من هذا تنوير وتشجيع بقية العمال على الجهاد».
وتضمن ملحق العدد الثاني والثالث نفسه أخباراً عن احتفالات الأول من أيار في عدد من بلدان العالم، ومن بينها فلسطين، حيث «مثل العادة في كل سنة في أول أيار فرّق الحزب الشيوعي نشراته ومناشيره ودعى العمال العرب واليهود إلى الاتحاد والإضراب عن الشغل والتظاهر… وقد عيّد هذا اليوم تقريباً كل العمال اليهود لأنهم جاؤوا من أوروبا ويعرفون قيمة أول أيار، ولكن مع الأسف العمال العرب لم يعيّدوا والسبب هو أن الأغنياء العرب يخدعوا العمال بأن هذا اليوم هو عيد اليهود وليس عيد العمال في كل الدنيا».
وفي ملحق العدد المزدوج، الثاني والثالث نفسه، من المجلة، توجهت «إلى الأمام» إلى جماهير العمال العرب الفلسطينيين بالقول: «انتم شايفين أن الجرائد تكتب باللغة الفصيحة وشايفين أيضاً أن أكثرية المكتوب في الجرائد لا تفهمون منه شيء، والسبب في ذلك يا عمال أن أصحاب الجرائد والجماعة الذين يكتبون فيها لا يكتبون إلا للأغنياء وأولادهم المتعلمين فقط، أما أنتم فلا يحسبون لكم حساب لأنهم يعتقدون أن الأمة هم الأغنياء فقط وأما العمال والفلاحين فهم جهلاء ما خلقوا إلا للخدمة فقط؛ ولذلك يا عمال فالحزب الشيوعي الفلسطيني الذي يخدم العمال والفلاحين ويحارب أعداءهم الأغنياء والمستعمرين وأذنابهم أصحاب الجرائد أخذ عليه واجب تفهيمكم والكتابة إليكم بلغة سهلة لتفهموا وتقرأوا الحوادث والأخبار التي تهمكم».
وعلى الرغم من ركاكة هذه اللغة، وما شابها من أخطاء نحوية، فإن قيادة الحزب كانت فخورة بأنها تتوجّه إلى العمال والفلاحين بلغة هي اللغة التي يتداولونها في حياتهم اليومية.