اليابان على صفيح ساخن.. هيروشيما وناجازاكي ما تزال وصمة عار على جبين الولايات المتحدة الأمريكية

متابعة – الدكتور سلمان صبيحه:

بعد الفوز الساحق لحزب رئيسة الوزراء اليابانية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يبدو أن الإمبريالية المتوحشة ستستخدم اليابان لضرب الصين، وذلك بحسب ما تتناوله بعض التقارير الإعلامية والمواقع الإلكترونية، آخذين بعين الاعتبار نتائج وانعكاسات ما حققته السيدة ساناي تاكاييتشي رئيسة وزراء اليابان بفوزها الكاسح في الانتخابات البرلمانية التي جرت بتاريخ ٨/٢/٢٠٢٦، معتبرين أن هذا الفوز يمنحها تفويضاً سياسياً واسعاً للمضي قدماً في تنفيذ أجندتها الاقتصادية والدفاعية، التي تتضمن مراجعة استراتيجية الأمن القومي، وزيادة الإنفاق العسكري إلى نحو ٦٠ مليار دولار سنوياً، إلى جانب حزمة تحفيز اقتصادي ضخمة تصل قيمتها إلى ١٣٥ مليار دولار، مؤكدين أنه بهذا الفوز بات الطريق معبداً أمام تاكاييتشي لتطبيق برامجها السياسية والاقتصادية والأمنية، رغم ما تثيره من جدل داخلي وخارجي، لا سيما مواقفها المتشددة تجاه الصين، وخاصة  تصريحاتها التي لم تستبعد فيها تدخلاً عسكرياً يابانياً في حال تعرضت تايوان لهجوم صيني.

ويبدو أن هذه المواقف الصارمة لاقت صدى إيجابياً لدى شريحة من الشباب والناخبين اليابانيين، الذين رأوا في خطاب تاكاييتشي الحازم وعدم تراجعها أو اعتذارها للصين دافعاً للمشاركة بكثافة في الانتخابات، وهو ما انعكس في نتائج الاقتراع.

يذكر أن تاكاييتشي كانت قد حلت مجلس النواب في كانون الثاني الماضي، مستفيدة من نسب تأييد شعبي مرتفعة لها تقارب ٧٠%.

وركزت الحملة الانتخابية على القضايا الاقتصادية، في ظل استمرار التضخم فوق مستوى ٢% منذ نحو ٣ سنوات، وارتفاع تكاليف المعيشة. وتعهدت رئيسة الوزراء بتعليق ضريبة المبيعات على المواد الغذائية بنسبة ٨% لمدة عامين، في خطوة تهدف إلى تخفيف العبء عن الأسر، لكنها أثارت في المقابل مخاوف المستثمرين بشأن تفاقم الدَّين العام، وهو الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة.

كذلك من المتوقع أن يمنح هذا الفوز تاكاييتشي زخماً إضافياً لتعزيز القدرات الدفاعية لليابان وتسريع تشريعات الأمن، وسط ترقب إقليمي ودولي، ولا سيما من جانب الصين، التي تتابع عن كثب السياسة اليابانية الجديدة في ضوء التوتر المتصاعد حول ملف تايوان، وهنا يبرز التساؤل المحق: هل نسيت رئيسة وزراء اليابان من قصف بلدها بالأسلحة المحرمة دولياً؟ أليست الولايات المتحدة الأمريكية هي التي قصفت مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية في آب عام ١٩٤٥ خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، بأمر من الرئيس الأمريكي هاري ترومان، وبإشراف العالم روبرت أوبنهايمر؟!

الصين وروسيا وكوريا الشمالية لم تعتدِ قط على اليابان ولم تدمر أيّاً من مدنها، أو قراها .

الطريف بالأمر أن يقوم البعض بقلب الحقائق قائلين: “لا.. لم تنسَ الحكومة اليابانية الجديدة مأساة هيروشيما وناغازاكي، فإرث القصف الذري عام ١٩٤٥ لا يزال حاضراً بقوة في الوعي الياباني والسياسة الرسمية. ومع ذلك، ونظراً للتهديدات التي تواجه اليابان والضغوطات الأمنية المتزايدة من قبل “الصين، كوريا الشمالية، روسيا”، تدفعها لتعزيز قدراتها العسكرية ومراجعة سياساتها الدفاعية.

إذاً، واضح الانخراط الكلي للطغمة الحاكمة في اليابان مع الإمبريالية المتوحشة، وواضح كيف يجري خداع الشعب الياباني وحرف البوصلة لديه، بخلق عدو وهمي له وهو الصين وحلفاؤها، وواضح كيفية اللعب على الوعي الجمعي والمزاج الشعبي الياباني  لإبعاده عن العدو الحقيقي للحياة، الذي ارتكب بحق اليابان وشعبها أبشع مجزرة عرفتها البشرية، التي ما تزال أثارها حتى الآن شاهدة على وحشية وهمجية ذلك العدو الإرهابي القاتل للبشر وللشجر، لذلك يعيش المجتمع الياباني حالياً توتراً ملحوظاً ونقاشات وحوارات  مطولة حول مفهوم العقيدة النووية ومن أجل ماذا ولماذا؟! بينما هناك الكثيرون من اليابانيين ومعهم من تبقى من الناجين وأحفادهم ومنظمات السلام، ومنظمات المجتمع المدني الأخرى يرفضون أي تبرير لوجود السلاح النووي في اليابان.

من جهة أخرى وفي مجال الاقتصاد الياباني وانعكاس فوز تاكاييتشي عليه، التقط القائمون على الأسواق اليابانية إشارة الفوز وعرفوا أن هناك معادلة اقتصادية جديدة وهي: إنفاق حكومي ضخم + سياسة نقدية متساهلة = نمو بأي ثمن.

ولكن بالتأكيد سيكون لهذا النمو ضحايا، والضحية الأولى كانت الين الياباني الذي تهاوى أمام الدولار الأمريكي “وصل اليوم سعر الدولار الواحد إلى ١٥٥ ين ياباني”.

علماً أنه سابقاً ولعقود طويلة كان الين الياباني هو الملاذ الآمن الاول في العالم إلى جانب الذهب، والسبب بسيط هو أن اليابان تعتبر أكبر دولة دائنة في العالم ولديها استثمارات تريليونية في كل مكان، لذلك في أوقات الخوف والأزمات كانت الأموال تهرب إلى طوكيو بحثاً عن الأمان فيقوى الين، لكن اليوم هذه القاعدة تحطمت، الخوف موجود ولكن أصبحت الأمور معكوسة، فالأموال تهرب من طوكيو لا إليها، وذلك بسبب القلق من الديون الحكومية التي تتضخم وبسبب الفائدة الصفرية هناك، والنتيجة أن الدولار يصعد والذهب يصعد معه إلى مستويات قياسية وهذا يقودنا إلى الخروج عن المألوف الذي نشهده حالياً، في العادة هناك قاعدة اقتصادية معروفة بين الذهب والدولار: إذا صعد أحدهما هبط الآخر.

لكن في الفترة الأخيرة ظهرت تقارير من بعض المراكز العالمية المالية تؤكد أن:

المستثمرون اليوم لا يشترون الذهب هرباً من ضعف العملات، بل يشترون الذهب هرباً من الديون الحكومية حول العالم، هم ينظرون إلى الحكومات وتحديداً في اليابان تحت قيادة تاكاييتشي، كمن يملأ سلة مثقوبة بالماء.. الانفاق يزيد والديون تتراكم، لذلك هم يهربون للذهب كتأمين ضد تآكل قيمة النقود الورقية.

من جانبه البنك المركزي الياباني المكبل سياسياً يقف بصمت ويراقب سير الأمور، فسعر الفائدة في اليابان ٠،٧٥ %، لكن إذا استمر الين في التدهور، بالتأكيد سيلجأ البنك إلى إجراءات مالية واقتصادية عاجلة للتدخل، وقد يضطر لرفع سعر الفائدة ولو بشكل قسري، وذلك من أجل تشجيع المستثمرين على شراء الين طمعا بالفائدة وتحقيق عائد استثماري جيد مقابل الاحتفاظ بالعملة، وبالتالي هذا الطلب على العملة سيرفع من قيمتها ويحميها من الانهيار.

من كل ما تقدم ومع تسارع وتيرة الأحداث، يبدو أن اليابان تسير على صفيح ساخن  نحو خلق بؤرة توتر جديدة في منطقة شرق آسيا  “East Asia”، ونحن نعيش لحظة تاريخية يعاد فيها ترتيب أمور العالم من جديد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وجغرافياً، إضافة إلى تعريف جديد لما كان  يسمى “المنطقة الخضراء الآمنة”، أو بتعبير آخر “الملاذ الآمن”، وفي عالم مشحون ومتوترة ومتغير كهذا، يبدو أن الذهب لم يعد ينظر إليه أنه معدن ثمين فحسب، بل أصبح العملة الوحيدة التي لا يمكن للحكومات أن تطبعها .

العدد 1194 - 15/04/2026