حزب الشعب الفلسطيني: قرنٌ من الانحياز للكادحين ومقاومة الاستعمار

في العاشر من شباط 2026/2/10، لا نُحيي ذكرى، بل نُعلن استمرارية المعركة.

ذكرى انطلاقة حزب الشعب الفلسطيني – الشيوعي سابقاً – الحزب الذي تأسس رسمياً عام 1923، كأحد أقدم التنظيمات الثورية في فلسطين، وكجزء عضوي من حركة التحرر الوطني والاجتماعي، في مواجهة الاستعمار والانتداب، ثم الاحتلال الصهيوني الاستيطاني الاحتلالي. إنها ذكرى حزب وُلد في قلب الصراع، ولم يغادره يوماً.

جاء تأسيس الحزب في سياق تاريخي كانت فيه فلسطين ساحة مفتوحة للمشروع الإمبريالي–الصهيوني، فاختار منذ لحظته الأولى أن يتموضع بوضوح في معسكر الكادحين والمضطهدين، رافعاً راية التحرر الوطني المرتبط عضوياً بالتحرر الاجتماعي. ومنذ عام 1923، لم ينظر الحزب إلى القضية الفلسطينية كقضية حدود أو تسويات، بل كقضية تحرر وطني شامل، وصراع جذري ضد الاستعمار، والاستيطان، والاستغلال الطبقي، وكل أشكال القهر.

تميّز حزب الشعب الفلسطيني، عبر تاريخه الممتد لأكثر من قرن، بكونه حزباً ثورياً ديمقراطياً، يرى في الوعي الطبقي أداة للتحرر، وفي التنظيم الشعبي شرطاً للانتصار، وفي الجماهير القوة القادرة على صنع التاريخ. لم يفصل الحزب يوماً بين تحرير الأرض وتحرير الإنسان، بل اعتبر أن لا قيمة لوطنٍ محرر تُستعاد فيه علاقات الظلم والاستغلال. لذلك انحاز بوضوح إلى العمال، والفلاحين، واللاجئين، والنساء، والمثقفين التقدميين، وشارك في بناء الحركة النقابية والجماهيرية، باعتبارها ساحات اشتباك سياسي واجتماعي مع الاحتلال ومع البنى القامعة.

وفي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، خاض الحزب نضالاً طويل النفس، قدّم خلاله الشهداء والأسرى والمناضلين، وأسهم في صياغة الخطاب الوطني الديمقراطي الفلسطيني، ورفض كل أشكال الاستسلام والتطبيع مع واقع الاحتلال. وكان في طليعة القوى التي تبنّت المقاومة الشعبية السلمية لا كخيار ضعيف، بل كخيار ثوري جماهيري، يقوم على تنظيم الناس، وحماية الأرض، ومواجهة الاستيطان والجدار، وفضح الطبيعة الاستعمارية والعنصرية للاحتلال أمام العالم.

لقد أدرك الحزب أن الاستيطان ليس سياسة عابرة، بل جوهر المشروع الصهيوني، ولذلك شارك في المسيرات والاعتصامات، وفي الدفاع اليومي عن القرى المهددة بالمصادرة والاقتلاع، مؤكداً أن الصمود الشعبي هو الشكل الأعمق للمقاومة، وأن الأرض تُحمى بالناس، والناس يُحمون بالوعي والتنظيم.

وفي حرب الإبادة والتهجير التي يتعرض لها شعبنا اليوم، تتجلى الهوية الأيديولوجية للحزب بأوضح صورها. ففي لحظة تاريخية يحاول فيها الاحتلال إعادة تشكيل فلسطين عبر القتل الجماعي، والتجويع، والتدمير الممنهج، لم يتعامل حزب الشعب الفلسطيني مع الكارثة بوصفها شأناً إنسانياً مجرداً، بل بوصفها فصلاً من فصول الصراع الاستعماري. ومن هذا الفهم، كان الحزب ومؤسساته وكوادره في قلب المواجهة الاجتماعية، إلى جانب النازحين، والفقراء، والمحرومين.

تحولت المؤسسات والأطر المجتمعية للحزب إلى أدوات إسناد وصمود، من خلال تنظيم المبادرات التكافلية، وتقديم الغذاء والمياه والمستلزمات الأساسية، ودعم مراكز الإيواء، وإسناد العائلات المنكوبة. لم يكن ذلك فعل إحسان، بل فعل مقاومة طبقية ووطنية، يؤكد أن حماية حياة الناس هي جزء لا يتجزأ من معركة التحرر، وأن الانحياز للنازحين هو انحياز سياسي ضد مشروع الإبادة.

وفي هذه الذكرى، يؤكد حزب الشعب الفلسطيني أن تاريخه الممتد منذ عام 1923 ليس ماضياً يُستدعى، بل مشروعاً ثورياً مستمراً. ذكرى العاشر من شباط هي محطة لتجديد الالتزام بالنضال الوطني الديمقراطي، وبوحدة الصف، وبالمقاومة الشعبية المنظمة، وبحق العودة، وحق النازحين في استعادة بيوتهم وأرضهم.

إنها ذكرى حزبٍ آمن، وما زال يؤمن، أن الاحتلال إلى زوال، وأن الاستيطان إلى هزيمة، وأن فلسطين لن تتحرر إلا بإرادة شعبها، وبنضاله الواعي، وبانحيازه الدائم للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

العدد 1186 - 11/02/2026