بريطانيا تسبح عكس التيار

د. نهلة الخطيب:

انتخابات استثنائية لم يُشهد لها مثيل من قبل، في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأوربا وإيران، ثمة طفرة شعبوية يمينية باتت تنتشر بكثرة، خاصة في أمريكا وأوربا خلقت صراعات هوياتية وثقافية ونبذ الآخر، وفي الوقت الذي يبدو فيه أغلب الدول الأوربية تتجه نحو اليمين المتطرف، فإن بريطانيا تتجه إلى اليسار على عكس أوربا، لأول مرة في التاريخ يحصل فيها حزب المحافظين على أقل من 30% من أصوات الناخبين في الانتخابات العامة في بريطانيا. خسارة مدوّية للحزب بعد 14عاماً في السلطة، اتسمت بالركود الاقتصادي وتدهور الخدمات العامة وسلسلة من الفضائح والأزمات الكبيرة (أزمة نمو، سكن، غذاء، وقود)، عانى فيها نظام الضمان الاجتماعي من تخفيضات حادة في الموازنة، وارتفاع تكلفة المعيشة وعدم استقرار، تجلّى في تنافس داخلي شهد تولّي خمسة رؤساء وزراء مختلفين رئاسة الحكومة منذ عام 2016.

وفي تحول خطير جداً وبنتيجة ساحقة غير متوقعة، فاز حزب العمال البريطاني بالأغلبية المطلقة (367 صوتاً) في مجلس العموم البرلماني، وسيصبح كير ستارمر زعيم الحزب رئيساً للوزراء. النظام الحزبي في بريطانيا، نظام الحزبين الرابح بالأغلبية يقوم بتشكيل الحكومة المقبلة وزعيمه يكون رئيساً للوزراء، وقد أقرّ ريتشي سوناك بالهزيمة وقدّم استقالته من رئاسة الحزب.

صحيفة الغارديان وصفت المشهد: (ليلة كارثية لحزب المحافظين).

وظهر في هذه الانتخابات مؤشر خطير جداً في السياسة البريطانية يثير القلق في المجتمع البريطاني، هو دخول (حزب الإصلاح) اليميني المتطرف إلى البرلمان، بعد فشله سابقاً عدة مرات في الوصول إليه، وقد حصل على 13مقعداً، وكان من أشد الداعمين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، فكانت كارثة عليها. والمفاجئ هو تراجع شعبية الحزب الاسكوتلندي، الحزب المهم في بريطانيا، الذي استطاع أن يحصل على أكبر عدد من النواب في الدورة السابقة، وشكل حكومة محلية، ولكن أداءه في السلطة كان سيّئاً، وألمّت به الفضائح ولم يستطع أن يحصل على أصوات الناخبين فهو لم يفي بوعده لهم بالاستقلال، (4 مقاعد فقط) رغم أنه قاد حملته الانتخابية بوعود انفصال اسكوتلندا عن بريطانيا.

حزب المحافظين في ورطة كبيرة، ففشله في إيجاد زعامة قوية تقود الحزب أدّى إلى تشظّيه، وتصدّعه، فالحزب منقسم على نفسه قبل الانتخابات، وفضائح المحافظين وفشلهم وسوء أدائهم أدت إلى الخسارة، ومن المتوقع أن تبدأ معركة حول اتجاهات الحزب المستقبلية في الأيام المقبلة، وسيكون هناك مزيد من الانقسامات، وسيحتاج إلى سنوات لترميم نفسه وإعادة بنائه الداخلي، وهو يضمّ تياراً متشدداً يطالب بانضمام حزب الإصلاح إليه، ما يشكل خطراً على الحزب ويستنزف أصوات الناخبين من جناح اليمين بعد انتقاده لقيادة الحزب الحاكم بسبب فشلها في التعامل مع ملف الهجرة، وربما يتجه إلى اليمين المتشدد ويصبح نايجل فاراج زعيم حزب الإصلاح رئيساً لحزب المحافظين، الذي فقد وعد بفوز ساحق في الانتخابات المقبلة، وهذا ممكن في حال فشل الحكومة الجديدة، أو يتجه حزب المحافظين إلى الوسط، وهذا يحتاج إلى قيادة جديدة غير متوفرة حالياً.

الشعب البريطاني رفض سياسة حزب المحافظين التي اتسمت بالتعنت في التعامل مع قضايا المواطن البريطاني والتوترات الداخلية والخارجية، فكان التصويت ضد الحكومة السابقة بسبب سوء أدائها، ولم تستوعب قيادة الحزب أن بريطانيا لم تعد إمبراطورية، وإنما دولة متوسطة القوة، إذا أحسنت إدارة اقتصادها، وما عزز هذا التفكير عضوية بريطانيا الدائمة بمجلس الأمن، وتزعمها لمجموعة الكومونويلث، ودورها في حلف الناتو، وفي مجموعة السبع الصناعية، ومجموعة العشرين، إضافة إلى علاقاتها الوطيدة مع أمريكا وكندا وأستراليا ودول قوية أخرى، ولكن هذا يتطلب اقتصاداً قوياً يتحمل الإنفاق على الأمن والدفاع، والإيفاء بالتزاماتها الدولية. ولكن الأزمة المالية العالمية عام 2008 ضربت القطاع المالي البريطاني وأضرت الاقتصاد، إضافة إلى تزايد أسعار الطاقة بعد الحرب الأوكرانية، وارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو بعد جائحة كورونا، لكن الكارثة كانت تختمر منذ عقود بحسب التقارير، فمعدل النمو الاقتصادي البريطاني كان الأبطأ مقارنة مع البلدان الأوربية، فرأت الحكومة فرض سياسة التقشف لضمان عدم تفاقم العجز، إلا أن العواقب كانت وخيمة، وربطها بعض السياسيين المحافظين بعوامل خارجية كاالمهاجرين وارتفاع معدل اللجوء، فطالبوا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي لتتراجع الهجرة، فاضطربت التجارة بسبب إعادة فرض الضوابط الجمركية مع الاتحاد الأوربي في أعقاب مفاوضات البريكست، وفقدت بريطانيا 15% من تجارتها مع أوربا.

اقترع (48%) من الناخبين لحزب العمال ليس حباً فيه، بل انتقاماً من حزب المحافظين لفشلهم في الوفاء بالوعود خلال تولي السلطة، (13%) مؤمنون بالتغيير والإصلاح الذي وعد به حزب العمال مما رتب على الحزب تحديات كبيرة لتحقيقها، وأبرزها إجراء اصلاحات شاملة في بلاد تعاني منذ عقود تدهور اقتصادي وتضخم حاد وصل إلى الكساد.

 

تحدّيات ثقيلة

أهمّ التحديات التي تواجهها حكومة حزب العمال الجديدة:

  • إنعاش الاقتصاد هو من أهم أولويات الحزب الحاكم رغم ثقل المهمة.
  • رفع القدرة الشرائية التي تضررت بسبب التضخم.
  • إصلاح نظام الهجرة والتخلي عن خطة رواندا التي أعلن عنها سوناك وتعزيز أمن الحدود، وسيستغرق الأمر أشهراً، إن لم يكن سنوات، فالتغيير يحتاج إلى وقت، فرصة ذهبية لحكومة حزب العمال إن استطاعت أن تتبنّى مقاربة واقعية للسياسة والاقتصاد والدور الدولي، وأن تقدّم نموذجاً متزناً لإدارة الأزمة ووقف التدهور الاقتصادي، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الإنفاق والاستدانة والاستثمار في المجالات الاقتصادية التي تمتلك فيها بريطانيا الأفضلية.

السياسة الخارجية للحكومة الجديدة مبهمة وخاصة فيما يتعلق بأوربا، فمنذ خروج بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوربي عام2020، بدأت بريطانيا تلمس آثار هذا الخروج اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، التي تجسدت بتدهور اقتصادها وعجزه، فتضاءلت قوتها على التأثير خارجياً والتحكم في حدود بلادها بعد مطالبة اسكتلندا بالانفصال، وظهور أزمة الجزيرة الإيرلندية التي أصبحت جزءاً من السوق الأوربية، وبدت بريطانيا محصورة سياسياً بالولايات المتحدة الأمريكية وظلها، ساندتها عسكرياً وسياسياً في كل الصراعات الدولية وآخرها في أوكرانيا وغزة، ولكن مع وصول حزب العمال إلى الحكومة، الذي يفضل بقاء بايدن في البيت الأبيض، يجعلها أكثر حذراً واستعداداً في حال فوز ترامب، فهناك مخاطرة من تدهور العلاقة معه، وإن غداً لناظره قريب!  وكان لغزة أصداء واسعة خلال الحملة الانتخابية، وعلى نتائجها، إذ خسر حزب العمال ثلاثة مقاعد لصالح مرشحين مستقلين مدافعين عن غزة، رغم تعهده بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولكنه أبدى في الدعاية الانتخابية حرصاً على الشريك الأمريكي، لأن أهم القضايا بالنسبة لأي رئيس وزراء بريطاني العلاقات الأنجلو- أمريكية والكيان الإسرائيلي، أليست بريطانيا عرابة وعد بلفور، وقدمت فلسطين هدية للصهاينة؟!

العدد 1112 - 26/6/2024