سكان سورية بلا سكن

إيمان أحمد ونوس:

بغية الوصول إلى حياة بشرية مثالية لائقة على كوكب الأرض، كانت هناك ضرورة مُلحّة للاهتمام بالسكان واحتياجاتهم الأساسية. وانطلاقاً من هذا المنظور ارتأت الأمم المتحدة ومنظماتها المهتمّة بقضايا السكن والسكان أن يكون يوم الحادي عشر من تموز من كل عام يوماً عالمياً للسكان، وذلك بمناسبة وصول عدد سكان الأرض عام 1987 إلى أكثر من خمسة مليارات إنسان، وقد جاء هذا القرار بهدف تركيز الاهتمام على القضايا السكانية، لا سيما في سياق خطط التنمية الشاملة وبرامجها سواء على المستوى المحلي أو الاقليمي أو العالمي. ذلك أن تأمين السكن اللائق والخدمات المطلوبة، وكذلك البنى التحتية لمختلف الاحتياجات هو من أولى المهام الموضوعة أمام الحكومات وقد نصت عليها مختلف الدساتير المحلية. إضافة إلى ضرورة الاهتمام بالقضايا الصحية والتعليمية والترفيهية المطلوبة في مختلف بلدان العالم.

وفي ظلّ الكوارث الطبيعية أو الحروب والنزاعات، لا شكّ ستبرز الكثير من المشكلات والأزمات المتعلقة بالسكان والسكن على حدٍّ سواء، ولعلّ سورية والسوريين هم مثال حيّ وحاضر بقوة خلال عقد وأكثر من حرب دمّرت مناطق بأكملها فشرّدت أهلها في مختلف أصقاع الأرض، مُضافاً إليها زلزال أتى على ما تبقى من مظاهر الحياة في مناطق الشمال والساحل السوري.

نعم، لقد عانى السوريون وما زالوا يعانون أشكالاً مختلفة من التشرّد والنزوح واللجوء، فقدوا خلالها أبسط مقوّمات العيش الإنساني، لاسيما أولئك الذين افترشوا العراء والحدائق العامة والأنفاق. كذلك الذين آثروا اللجوء إلى دول الجوار، فقد جرىّ وضعهم في مخيّمات افتقرت إلى حدٍّ أدنى من الخدمات من ماء وكهرباء وغيرها، فغاصوا في وحول الشتاء وبرده وقسوته، مثلما احترقوا بلهيب الصيف وشُحّ مياهه الصالحة للاستخدام البشري، إضافة إلى نقص الخدمات الطبية والأدوية ومستلزمات علاج الأمراض التي انتشرت بين سكان تلك المخيّمات.

أمّا أولئك الذين نزحوا إلى المناطق شبه الآمنة في الداخل السوري، فقد عانوا من فقدان المسكن المطلوب بسبب عدم قدرتهم المادية على استئجار منازل خاصة، فقد جرى وضعهم في مراكز إيواء كانت عبارة عن مدارس اكتظّت بأعداد غفيرة من البشر الذين افتقدوا لأدنى الخدمات الأساسية الضرورية وكذلك الخصوصية الشخصية، وهذا بحد ذاته انتهاك لإنسانية الإنسان بأبشع صورها.

بالمقابل، كان هناك استغلال أفظع وأبشع لأولئك السوريين الذين آثروا أن تكون لهم منازلهم الخاصة، وذلك بسبب ارتفاع بدلات الإيجار، ما دفع بالبعض للتشارك مع أقارب أو جيران في منزل واحد بغية التخفيف عليهم، بغض النظر عن المشاكل الناجمة عن هذا الاكتظاظ  البشري وما يُخلّفه من آثار سلبية مادية ومعنوية ونفسية على الجميع. أمّا من رفض التشاركية فقد وقع في براثن أزمات تأمين بدل الإيجار الذي صار يرتفع بين شهر وآخر، ما اضطر الكثيرين منهم لإخراج أبنائهم من المدارس وزجّهم في سوق العمل لأجل تأمين باقي الاحتياجات الأسرية الأخرى التي أصبح الحصول عليها هي الأخرى محض خيال.

وإذا ما نظرنا إلى واقع السوريين في بلاد اللجوء الغربية، نلاحظ تعرّضهم إلى مشكلات لا حصر لها سواء على مستوى الاندماج بتلك المجتمعات، أو على مستوى الأمان الذي حصّلة أو وصله البعض، بينما البعض الآخر يتعرض للتمييز والتنمّر من قبل بعض المُتشددين الرافضين لوجودهم في تلك البلدان، ما جعلهم لقمة سائغة لمختلف أشكال الاستغلال والتمييز العنصري وحتى الاتجار بالبشر في بعض البلدان، مع الاعتراف لبلدان أخرى باحترامها لحقوق السوريين الموجودين فيها انطلاقاً من احترام حقوق الإنسان.

غير أن المُلاحظ اليوم، هو التعرّض للسوريين في معظم بلدان اللجوء تحت ذرائع وحجج واهية بغية التخلّص من وجودهم، وهذا ما نلاحظه في دول الجوار أو بعض الدول الأخرى لاسيما العربية منها كمصر والعراق، دون أدنى محاولة من المجتمع الدولي أو الاقليمي لإيجاد حلّ عادل لمسألة اللاجئين العالقين على حبال الوهم بمختلف تجليّاته.

إن هذا الواقع المرير الذي يعيشه ويعانيه السوريون سواء في الداخل أو الخارج، يُظهر بلا أدنى شك مدى الاستهتار بالمسألة السورية، الذي تجاوز حدود المنطق، مع استطالة الأزمة واستدامتها إلى أمد ما زال حتى اللحظة مجهولاً، وبالتالي تنصّل المجتمع الدولي من التزاماته سواء بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، أو تناقضه مع ذاته خلال تلك الاحتفاليات الدولية المتعلّقة بحقوق الإنسان كاليوم العالمي للسكان، في ظلّ بقاء غالبية السوريين بلا سكن آمن ومستدام يقيهم ذلَّ النزوح المستمر سواء بالداخل أو الخارج.

العدد 1112 - 26/6/2024