صدمتان لكيان الاحتلال الصهيوني
د. صياح فرحان عزام:
نادراً ما استهدف القانون الدولي مسؤولين صهاينة كباراً بتوجيه تهم إليهم، مرّتين فقط، وُجّهت تهمٌ إلى كلٍّ من إسحاق شامير، المسؤول عن اغتيال الكونت برنادوت في القدس عام 1948، وإلى تسيبي ليفني (وزيرة الخارجية السابقة في الكيان الصهيوني)، لمسؤوليتها عن الحرب على قطاع غزة عام 2008، ولكن من دون أن يجري القبض عليهما (أي على شامير وليفني).
مؤخراً، ومن منطلق أن القانون يطبّق على الجميع، وأن العدالة بحاجة إلى حمايتها من دهاليز السياسة، ومن ازدواجية المعايير، طلب المدّعي العام لمحكمة الجنايات الدولية إصدار مذكرات اعتقال بحقّ كلٍّ من نتنياهو (رئيس وزراء الكيان الاحتلالي) ووزير حربه يوآن غالانت، ليواجها محاكمةً، إذا وافق قضاة محكمة الجنايات على هذا الطلب، علماً بأن المدعي العام مدركٌ أنه سيواجه عاصفة قوية من الانتقادات والتهديدات بسبب طلبه هذا، لأنه يمسّ مسؤولين صهاينة كباراً.
لا شك في أن طلب المدعي العام هذا يمثّل تحولاً كبيراً، هزّ الإدارة الأمريكية قبل أن يهزّ كيان الاحتلال، ولاسيما نتنياهو، الذي أصيب بصدمة قاسية، فقد زعم أن استهدافه يشكل (فضيحة) حسب تعبيره! وأن جيشه (أكبر جيش أخلاقي في العالم)، علماً بأن هذا الوصف منافٍ للحقيقة وللوقائع على الأرض، ولحرب الإبادة التي ارتكبها هذا الجيش خلال ثمانية أشهر، محصّنة بدعم أمريكي غير محدود عسكرياً وبفيتو سياسي أمريكي سمج. كيف لا تكون حرب إبادة بعد آلاف أطنان القنابل والمتفجرات التي حولت قطاع غزة إلى ما يشبه (هيروشيما) حسب وصف بعض المراقبين السياسيين والعسكريين؟!
على أي حال، نعود للقول إن أهمية طلب إصدار مذكرات الاعتقال ضد نتنياهو وغالانت، تكمن في كونها المرة الأولى التي توجه فيها مثل هذه التهم المستندة إلى وقائع (قتل وتهجير وتدمير منازل ومشافي ومساجد وبنية تحتية)، إلى كيان الاحتلال الصهيوني ومجرميه الكبار.
إذاً، يمكن القول إن كيان الاحتلال عاد إلى مكانه الطبيعي ككيان يحاسب على جرائمه وأخطائه، ولكن مما يلفت النظر هو الحماس الأمريكي غير المبرر في الدفاع عن الجرائم والتجاوزات التي يرتكبها هذا الكيان وجيشه، بدءاً من الرئيس بايدن الذي زعم أن طلب المدعي العام للمحكمة الدولية بإصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت هو طلب (مُشين)، لأنه يساوي بين دولة ديمقراطية ومسلّحين فلسطينيين! مروراً بالنواب الذي كانوا أشبه بمن يلطمون وجوههم وهم يتحدثون دفاعاً عن المجرمين الصهاينة، وصولاً إلى تفكير الكونغرس الأمريكي بفرض عقوبات على قضاة المحكمة.
أيضاً أشهر نتنياهو والإدارة الأمريكية سيف (معاداة السامية)، وهو السلاح المسلط على رقاب كل من ينتقد كيان الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت نفسه فإن طلب إصدار مذكرات الاعتقال يضع الدول الغربية في مأزق كبير، لأنها تعيد الحديث عن الازدواجية في التعامل مع الأحداث والدول، وعن زيف الأخلاق والقيم الذي يميز سياسة الغرب في المجال الدول والإنساني.
ومما يجدر ذكره أن نتنياهو واجه صدمة أخرى مؤخراً تجسدت في اعتراف ثلاث دول أوربية بالدولة الفلسطينية وهي النرويج وإسبانيا وإيرلندا، لأن نتنياهو، كما هو معروف، لا يريد أن تكون هناك دولة فلسطينية، وهذا ما أكده أكثر من مرة في الحرب على غزة ومن على منبر الأمم المتحدة.
الخلاصة.. يمكن القول إن كيان الاحتلال الصهيوني يعيش حالة من الكوابيس الوجودية، ويتلقى الصدمات بسبب جرائمه التي فاقت التصور.