التطبيع العربي المجاني
د. نهلة الخطيب:
أينما توجّه أمريكا أنظارها تخلق أزمات، فالوجود الأمريكي قائم على الأزمات والصراعات، والحروب في كل مكان، لنسأل ماذا فعلت الولايات المتحدة سياسياً للآخرين؟! فالسياسة الخارجية الأمريكية، كما سياسات القوى الكبرى الأخرى، مدفوعة بشكل أساسي باعتبارات ركيزتها الأمن القومي، وهي ستكون دائماً العامل الحاسم والمحدد لهذه السياسات. الآن رجلان وجهاً لوجه، بايدن وترامب، كلاهما خطر على العالم والشرق الأوسط، فماذا لو عُقدت تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، وخرج بايدن من أتون الشرق الأوسط، التي طالما رجاها، وعاد ترامب إلى البيت الأبيض؟! دومنيك دو فيلبان، رئيس الحكومة الفرنسية السابق، تحدث عن الضياع الأمريكي في الشرق الأوسط، بل وفي العالم، وكأنها على وشك إضاعة الشرق الأوسط، بل والعالم.
كشفت الحرب في غزة أن إسرائيل أمام مفترق وجودي، وأكدته طبيعة المساعدات التي أقرّتها إدارة بايدن، وكم كان بايدن فخوراً بدعم إسرائيل بـ26 مليار دولار، أسلحة نوعية وفتاكة لتصعيد عملياتها العسكرية ضد الشعب الفلسطيني، وربما حرب واسعة النطاق. المراوغة في السياسة الأمريكية وانفصالها ما بين التنظير والواقع، دعمها لحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته، وحرصها على الأمن والسلام في الشرق الأوسط، وفي الواقع استخدمت الفيتو ضد قرار الاعتراف بدولة فلسطينية، لم تستطع وقف الحرب في غزة، ولم تستطع منع اقتحام رفح الذي بات قاب قوسين، إسرائيل تعيش في مأزق استراتيجي وعزلة دبلوماسية خانقة، محكمة العدل الدولية تلاحقها بتهم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية، تنديدات وقرارات من مجلس الأمن ضد إسرائيل، والفيتو الأمريكي ينقذها، وما تحتاجه ليس التطبيع، وإنما الخروج من الحرب بأقل الخسائر، أمريكا غير مستعدة لمواجهة إسرائيل، فالأمن الاستراتيجي لإسرائيل فوق كل اعتبار ويستدعي التدخل.
بقي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يشكل عائقاً يعرقل تعاون أمريكا مع الأنظمة الصديقة في المنطقة بلا حل وبتواتر خطير، وأمريكا تريد تطبيعاً عربياً مجّانياً لدعم محاولاتها دمج إسرائيل في (شرق أوسط جديد)، والهيمنة عليه اقتصادياً وأمنياً لخدمة المصالح الاستراتيجية الأمريكية والغربية. والتركيز على السعودية كدولة محورية ومؤثرة عربياً وإسلامياً، من خلال التطبيع، يقول بلينكن: (جهود التطبيع باتت قريبة من الاكتمال)، والموقف السعودي واضح من التطبيع ومشروط، فلن يكون هناك علاقة مع إسرائيل دون ثمن، والثمن هو إيقاف الحرب وإقامة الدولة الفلسطينية، ودون ذلك ستخسر السعودية دورها في العالم العربي والإسلامي، وسط أجواء شعبية مشحونة معادية لإسرائيل، ربما هو شرط علني!! والدوافع التي حركتها لبناء علاقة مع إسرائيل فقط، وضع حدّ للنفود الايراني، فالسعودية خسرت كل معاركها في المنطقة، وإيران كسبت كل المعارك ابتداءً من العراق ولبنان واليمن وسورية، وأخيراً في فلسطين.
ولكن اتفاق بكين بين إيران والسعودية (مع وقف التنفيذ)، غيّر المعادلة وكان تطوراً مقلقاً جداً للإدارة الأمريكية ومثيراً للريبة بسبب الرعاية الصينية، تلتها تصريحات شديدة اللهجة من الإدارة الأمريكية للسعودية مهدّدة بملف انتهاكات حقوق الإنسان وبالأخص اغتيال الخاشقجي، وعلى السعودية أن تختار الاصطفاف إلى جانب حلف روسيا والصين وإيران، أو تختار الحفاظ على علاقات ودية مع واشنطن من خلال التقارب السعودي مع إسرائيل، هذا هو الشرط للحفاظ على العلاقات مع واشنطن بعد أن كانت السعودية دولة مارقة، وربما شرط غير مباشر للحصول على النووي المدني الذي طلبه الملك السعودي من الأمريكيين، والآن تلويح بالعصا والجزرة للسعودية لدفعها إلى التطبيع، التطبيع والسلام يحتاج إلى مناخات هادئة، وما يجري في غزة لا يسمح لأي حراك أو المضي في تطبيع علني، ولكن أمريكا لا تكلّ ولا تملّ في بناء تحالفات من أجل الاستثمار في الصراع في الشرق الأوسط، وتستعجل تطبيع العلاقات لتحقيق إنجاز دبلوماسي وتحقيق انتصار في الانتخابات القادمة، بلغ مأزق بايدن ذروته بين مصلحته الانتخابية ومصلحة بلاده، وهو أمام صفقة ثنائية لن تتم، ولن يكون فيها أية امتيازات للسعودية، فمجلسا الكونغرس والشيوخ لن يتمموا أي صفقة دون وجود إسرائيل، ونتنياهو لا يعي مخاوف بايدن من خسارة الانتخابات الرئاسية، ولكنه يعي أن التطبيع العربي حتمي، وآتٍ لا محالة.
بدأت مفاوضات السلام وفقاً لسياسة الخطوة بخطوة، وتحقيق اتفاقات مؤقتة وليست دائمة لمجمل الصراع العربي الإسرائيلي، أخرجت مصر من الصف العربي باتفاقية كامب ديفيد عام 1977، وكانت منعطفاً في تشكيل تحالفات جديدة بين أنظمة عربية حليفة للغرب تربطها علاقات مع إسرائيل، تلتها اتفاقيات أبراهام الترامبية المثيرة للجدل، لأنها أبرمت بين دول عربية لم يكن بينها وبين إسرائيل أي عداوة مباشرة أو حروب، ازداد النفوذ الأمريكي بالمنطقة، وواشنطن باتت الآمر الناهي، لم يلزم إسرائيل بتقديم تنازلات تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة فأصيبت القضية الفلسطينية بنكسة جديدة.
عندما يعجز العرب عن القيام بواجبهم تجاه غزة وأهلها، فإننا سنشاهد أفلاماً تعد سيناريوهاتها في الغرف المظلمة للتضامن مع إسرائيل، يستخدمون القضية الفلسطينية ورقة تفاوضية لإحلال السلام الموهوم، الذي لا يمكن لمنطق الاحتلال وبنيته المتسلطة أن تقبلا به، مجازر غزة لو حدثت في أي منطقة أخرى في العالم لاهتزت هذه المنطقة، لا شيء سوى التنديد والاستنكار، صمت السعودية الشريك الاقتصادي الأهم لأمريكا، وعدم استخدام نفوذها لإيقاف الحرب في غزة هو التطبيع عينه. لا يبدو أن نتنياهو يتجه نحو انهاء الحرب، كرّرها مراراً: (أيّاً تكن الاتصالات فالحرب سوف تستمر)، وهو لا يعارض حل الدولتين فحسب بل يرفض السماح للسلطة الفلسطينية بأن يكون لها دور في حكم غزة بعد الحرب، غزة تحولت إلى جحيم، وهستيريا الدم تؤكد ما تمضي به إسرائيل لتحقيق حلم (إسرائيل الكبرى).