المواجهة في باب المندب وآفاقها

محمد هاني شقير:

يتباهى إعلام العدو الصهيوني بما سمّاه تسريع إنجاز الجسر البري من الإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى الدولة العبرية مروراً ببعض دول الخليج العربي، وذلك تعويضاً عن خسائره المتأتية من منع قوات أنصار الله اليمنية السفن التي تشحن بضائع من المرور عبر مضيق باب المندب الحيوي، والذي أنشأت أمريكا لأجله قوات دولية مؤلفة من عدة دول أوربية ودولة عربية واحدة لحماية تلك السفن وتأمين وصولها لكيان العدو.

هذه التطورات الدراماتيكية المرتبطة بتداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة تجعل أمريكا تتورط مرةً اخرى في الشرق الأوسط، الذي كانت قد اوضحت كثيراً، أنها تريد الابتعاد عنه لصالح تعزيز وجودها في الشرق لمواجهة الصين، لكن هذا الوجود الآن، بحسب الباحث اليمني المتخصص في مجال الجغرافيا السياسية والتاريخ الاقتصادي أسامة عبد الرحمن، لا يبتعد كثيراً عن تلك الاستراتيجية المعلن عنها؛ فهي لا ترغب بأن تنجح الوساطة الصينية التي بدأت بين إيران والسعودية في إنهاء ملف حرب اليمن، فهذا الأمر، إذا ما تحقق، سيرفع من حظوظ ونفوذ الصين كثيراً في المنطقة. وعلى صعيد آخر قدّم أنصار الله معادلة بسيطة لحل هذا النزاع مفادها أنه (يجب أن تتوقف الحرب في غزة وأن تتدفق المساعدات الإنسانية بالشكل الكافي وإلا فإن حصار باب المندب سيتواصل)، والعالم يعرف أن ما يحدث ليس عملية قرصنة عشوائية يمكن التصدي لها من خلال مرافقة السفن، فنطاق المعركة واسع ويتضمن قدرات عسكرية متقدمة قد تؤدي لتطور عسكري خطير يؤثر على المنطقة بأكملها، ومعظم دول المنطقة لا ترغب أن تتورط فيه، ولا هي تجد نفسها في موقف أخلاقي قوي يدعم المشاركة فيه.

إن مضيق باب المندب كان تاريخياً محط أنظار العالم لما يشكله من أهمية نظراً لموقعه الجغرافي الهام. أما العدو الصهيوني فعمل على التمدد إلى محيطه، فقد أقام قواعد عسكرية وبخاصة في أريتريا المطلة عليه والواقعة بين عدة دول إفريقية في المنطقة تعيش اضطرابات سياسية وعسكرية كبيرة، كما أن الامارات العربية المتحدة هي أيضاً تمددت إلى تلك المنطقة واستثمرت عدداً من موانئ الدول المطلة على باب المندب، وهي توجد أيضاً، بقوة، في موانئ اليمن الجنوبي. من هنا، يرى عبد الرحمن، إن هذا المنفذ تمر منه ٣٠ % من تجارة العالم وهو الطريق المختصر بين الشرق ودول حوض البحر الأحمر والمتوسط وجميع دول أوربا لكونه يشكل الطريق الأقصر. ويستفيد الكيان الصهيوني من هذا الطريق كثيراً، فكل تجارته مع الشرق، سواء واردات أو صادرات، تمر منه، ويكفي أن نعرف أن ٢٠% من حجم صادراته الخارجية تذهب للسوق الصيني فقط و ٢٥% من الواردات تأتي من الصين، وإغلاق هذا الطريق سيؤثر لجهة ارتفاع أسعار السلع بين ٣٠ و ٦٠% إضافة إلى زيادة مدة الرحلة لأكثر من شهر تقريباً، وتأخذ الصين نصيب الأسد من هذه التجارة.

لذا، يمكن القول إن إغلاق باب المندب يمكن استغلاله من قبل بعض دول الممر أو الجسر البري من خلال الترويج لهذا الطريق البديل كحل سحري للمشكلة والدعوة للاستثمار فيه، بالرغم من أن هذا الطريق يستخدم الآن شاحنات النقل البري للتوصيل من ميناء دبي إلى المنافذ البرية الأردنية، إذا ما صدقت الأخبار الأخيرة حول نجاح توصيل أول شحنة عبره، وهذا البديل يستخدم طرقاً معقدة ومكلفة جداً وغير عملية لنقل الواردات، إذ يمكن استخدامه فقط للشحنات الصغيرة بينما من المستحيل، بصيغته الحالية، أن يستخدم لشحن الواردات الكبيرة. وهنا يجب ألا ننسى ان دولتين في الطريق البري هما السعودية والإمارات تمران بحالة من التنافس والصراع الاقتصادي والجيوسياسي الكبير الذي قد يتطور لمرحلة المواجهة أو القطيعة في أي لحظة، وهو أمر يجعل الانتقال إلى هذا الطريق البديل استثماراً غير مضمون ويصعب الاعتماد عليه.

اما عن احتمال تطور الوضع هناك إلى مرحلة متقدمة من الصراع، فيعتقد عبد الرحمن أن الصراع حالياً يرتبط بموضوع غزة، فلن تستطيع أمريكا الترويج لفكرة تصعيد المواجهة بشكل دائم ما دان حصار باب المندب موجهاً حصراً ضد سفن الكيان أو تلك المرتبطة به، إذ إنه لم تحصل حوادث تذكر لأي سفن أخرى، وهي قاعدة لم تكسر حتى الآن، بالرغم من الضغوط السياسية التي تمارس للتراجع عن قرار إغلاق باب المندب. ولكن المتحدث باسم أنصار الله أوضح أن الأمر غير قابل للمساومة وأنه يمكن فقط التخفيف من حدة العمليات إذا ما تم تسريع دخول المساعدات إلى القطاع.

إن الوضع في اليمن معقد اصلاً، والمواجهة المحتملة ستقود لتعقيدات أكبر لا يمكن السيطرة عليها. ومع ذلك، فإنها تبقى خياراً ليس مستبعداً تماماً؛ فحشد السلاح مقابل السلاح قد ينتج مواجهة مرتبطة بقواعد الاشتباك، ولكن عبد الرحمن يستبعد هذا الخيار. إذ لا يمكن تأمين البحر من دون السيطرة على المناطق الساحلية، وهو قرار إذا ما اتخذ فإنه سيشعل المعارك في اليمن من كل الاتجاهات، وقد يتطور باتجاه تورط دول المنطقة المجاورة إذا انخرطت أيٌّ منها في هذا التحالف البحري.

العدد 1194 - 15/04/2026