غزة.. والصراع القطبي

د. نهلة الخطيب:

في الوقت الذي كان هناك حاجة إلى تعاون دولي لمواجهة الأخطار والتحديات التي يواجهها العالم منذ تفشي جائحة كورونا وما خلفتها من أزمات اقتصادية تعمقت بالحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من نقص بإمدادات الطاقة حول العالم والتضخم وارتفاع الأسعار، إضافة إلى التطرف المناخي والخطر الأكبر من العولمة والذكاء الاصطناعي وربما الأسوأ الذي لم يأت بعد، نجد أن هناك انقسامات واصطفافات قطبية بدت واضحة ومعسكرين غربي-إسرائيلي وشرقي- أوراسي، بأبعاد ليست سياسية فقط وإنما عسكرية أيضاً ربما تتطور إلى مواجهات عسكرية مباشرة بين الأفرقاء، من دلالاته زيارة جو بايدن إلى إسرائيل لدعم اعتدائها الهمجي على قطاع غزة. فالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها تدعم إسرائيل ظالمة أو مظلومة، فهي شريك استراتيجي وقاعدة عسكرية لها في منطقة الشرق الأوسط، وكان في مقابلها الزيارة الأولى لفلاديمير بوتين إلى الصين بعد إصدار مذكرة اعتقال بحقه بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، تعد بمثابة اعلان عن تحالف أممي أوراسي جديد قد يتحول إلى تحالف عسكري في مواجهة حلف الناتو، وفي حديث للجنرال مارك ميلي (رئيس هيئة الأركان الأمريكية السابق) قال فيه: (إن أكبر كارثة وليس حادثة يمكنها أن تؤثر على القطبية الأمريكية المنفردة بمقدرات العالم هي ظهور تحالف روسي- صيني يبدأ من عند الشعارات والتعاون الاقتصادي كما مع البريكس والبريكس بلس ويمكن أن ينتهي يوماً ما في ميادين الحروب الساخنة).

في الحرب الروسية الأوكرانية تفاقمت الصراعات والتوترات الجيوسياسية في العالم وبدت التكتلات بالظهور وأصبح الاستقطاب الدولي واضحاً، ومع انطلاق الحرب ضد غزة تعززت التكتلات والانقسامات السياسية فكل قوة دولية تسعى إلى دعم حلفائها في مواجهة المعسكر الند، وهذا ما شهدناه في مجلس الأمم بين الدول الخمس دائمة العضوية روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، وهذا ما يعقد الأزمات وليس العكس، مما وضع المجلس في حالة عجز تام عن إحلال السلم والأمن الدوليين أمام الأزمات الدولية الكبرى والمزمنة، فقد عجز مجلس الأمن عن إيقاف الحرب الروسية الأوكرانية منذ اندلاعها عام 2022، والآن يفشل في فرض هدنة إنسانية للحرب الدائرة في غزة، مما يؤكد أن الشعوب الضعيفة تدفع الثمن عند اختلال توازن القوى والصراع على مستقبل النظام الدولي.

انحازت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها اتجاه العدوان على غزة انحيازاً مطلقاً لإسرائيل مع إدراكهم أنه لا يمكن لأحد أن ينكر حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته وتقرير مصيره والتستر على المجازر الإسرائيلية بحق الأطفال والنساء في غزة، وبدوا أمام المجتمع الدولي دعاة حرب ومشجعين على حروب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، فقد نشرت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعتين من حاملات الطائرات في شرق المتوسط وألفين من مشاة البحرية الأمريكية على أهبة الاستعداد للانتشار في المنطقة، في الوقت الذي تقدم هي وحلفاؤها إمدادات عسكرية متطورة والاشراف على العمليات التي تقوم فيها إسرائيل في غزة والدعم اللوجستي والاستخباراتي لمنع توسع الحرب الدائرة في إشارة إلى إيران وحزب الله، وكل ذلك يؤشر إلى سيناريو لحرب إقليمية في الشرق الأوسط تتورط فيها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر وتراهن على حسمها، وربما يكون الحسم غير ممكن لأن هذه الحرب فرضتها أحداث مباغتة خارجة عن سيطرتها تلعب فيها دور المدافع عن الجيش الإسرائيلي الذي تعرض لاختراق أمني وعسكري واستخباراتي لم يسبق أن تعرض له من قبل، وتختلف عن حروب سابقة شنتها في المنطقة سبقها تخطيط وإعداد مع تحديد المكان والزمان والهدف، كالحرب على أفغانستان 2001 والحرب على العراق 2003، وربما تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية أقوى جيش في العالم، ولكن كما أثبت الفشل الأمريكي في فيتنام وأفغانستان فإن النصر غير مضمون في الشرق الأوسط وخاصة في غزة.

في المقابل روسيا تراقب العدوان على غزة مع إدانة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وانتقدت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها على طريقة معالجة الأزمة وسياسة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين والفشل في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي واحتكاره منذ سنوات، فالحضور السياسي لروسيا خجول ولم تتخذ أي موقف بارز باستثناء مشروع قرار في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار لدواعٍ انسانية فقوبل بفيتو أمريكي غربي، ودعوة بوتين لحماس إلى موسكو أثارت استياء إسرائيل التي ترى أن حماس تتلقى دعماً روسي- صيني، فهل هذا يؤدي إلى موازنة حالة الدعم الأمريكي الأوربي اللامحدود لإسرائيل دولياً من جهة وعسكرياً واستخباراتياً من جهة أخرى، روسيا تجمعها بإسرائيل علاقات تعاون وتنسيق في الوقت نفسه الذي تدعم إقامة دولة فلسطينية. يقول ألكسندر دوغين: (من الصعب على روسيا على الأقل في الوقت الحالي أن تختار طرفاً واحداً فقط لأنه ثمة ايجابيات وسلبيات لأية مقاربة)، وهذا ما يضعها أمام احتمالين معقدين: في حال دعم إسرائيل ستكون محرجة أمام حلفائها في المنطقة التي ترى في روسيا قوة دولية بإمكانها التأثير في معادلات الصراع والسلام العالمي، وفي حال دعم حماس أو على الأقل لعب دور الوسيط في عملية تسوية لحل الأزمة لما تتمتع فيه من علاقات متوازنة مع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وهذا ما ترفضه إسرائيل حتى لا يجري تحييد الولايات المتحدة الأمريكية وخروج ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من الرعاية الأمريكية الغربية، إضافة إلى تورط روسيا بالحرب مع أوكرانيا.

إلى الآن الدور الروسي مقتصر على التصريحات وقد يكون هناك تحول في طبيعته عند الغزو البري لغزة بمشاركة أمريكا وحلفائها ستجد روسيا نفسها جزء منه ومضطرة للتدخل مع الصين التي رفضت أي قرار أممي لا ينص على هدنة إنسانية ورفض اعتبار حماس جماعة إرهابية وموقفها السياسي من العدوان الإسرائيلي داعم للفلسطينيين، لخدمة تحركاتهم الدولية بشأن اعادة صياغة النظام الدولي وتحقيق التوازن في عالم متعدد القطبية والإدارة الصراعات الدولية ذات الأبعاد الإقليمية والدولية، فلا تستغرب إن كانت من غزة ولادة نظام عالمي جديد ونهاية القطبية الأحادية فالحرب في غزة معركة وجود للفلسطينيين تشوبها مصالح دولية وإقليمية، لا تهدد بنشوب حرب اقليمية فقط بل انها تؤثر في توازن القوى وتستهدف القوات الأمريكية والغربية في الشرق الأوسط وتهدد مصالحها الاستراتيجية وتخفف الضغط على روسيا وتحول الاهتمام الدولي عن أوكرانيا وتقدم فرصاً جديدة للصين.

 

العدد 1115 - 17/7/2024