رسائل القمة الروسية_ الإفريقية الأخيرة
د. صياح فرحان عزام:
استضافت روسيا في مدينة سان بطرسبورغ ثاني أكبر مدينة في روسيا بعد موسكو، وأهم ميناء روسي على بحر البلطيق، القمة الروسية_ الإفريقية في دورتها الثانية، وبدأت أعمالها يوم 27/7/2023، وذلك بمشاركة ممثلين عن 49 دولة إفريقية.
جدير بالذكر أن القمة الروسية_ الإفريقية الأولى عقدت في مدينة سوتشي عام 2019 بمشاركة 43 دولة، فضلاً عن ثمانية تكتلات ومنظمات إفريقية كبرى، وتم خلالها التوقيع على 92 اتفاقية بقيمة إجمالية قدرها 1.004 تريليون روبل، كما تم الاتفاق على أن تعقد القمة مرة كل ثلاث سنوات، وبالفعل حصدت روسيا ثمار القمة الأولى في سوتشي سريعاً بعد مرور عامين فقط على انعقادها، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا عام 2022 إلى 18 مليار دولار.
القمة في دورتها الثانية في سان بطرسبورغ انعقدت تحت شعار (قمة الرسائل وتمتين المصالح)، إذ تأتي في توقيت حسّاس للغاية إقليمياً ودولياً، وفي ظل استمرار العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا بتأثيراتها السلبية على مختلف دول العالم، وتحديداً الدول الإفريقية، وخاصة بعد تعليق اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود في شهر تموز 2023 الذي شكّل ضربة لدول إفريقية تحاول التغلب على أزماتها الاقتصادية، وفي مقدمتها مصر التي تعد المستورد الأكبر للقمح في العالم.
الرئيس الروسي بوتين عمل من خلال القمة على تمتين الروابط مع الدول الإفريقية مع التركيز على توسيع شبكة حلفاء روسيا، والتخفيف من التأثير الاقتصادي لقرار تعليق صادرات الحبوب، وقد أكد ذلك في كلمته عندما قال (نولي أهمية كبيرة لتوريدات الحبوب للدول الإفريقية، وروسيا تساعد البلدان التي تحتاج إلى المساعدات الإنسانية)، موضحاً في الوقت نفسه أنه تم وضع عراقيل لصادرات الأسمدة والحبوب الروسية إلى الدول الإفريقية، وأنه يتوقع محصولاً قياسياً من الحبوب هذا العام، وأن روسيا ستعمل على تصدير 50 ألف طن من الحبوب لعدة دول إفريقية، بل وستصدره إلى ست دول مجاناً وهي بوركينا فاسو وزيمبابوي ومالي والصومال وإفريقيا الوسطى وإريتريا.
والرسالة الأهم التي وجهها الرئيس بوتين من خلال هذه القمة كانت للولايات المتحدة الأمريكية، هي أن روسيا قادرة على الوقوف في وجه المخطط الأمريكي الغربي الذي يسعى لتحجيمها وتقليم أظافرها قارياً وعالمياً، وأنها قادرة رغم العقوبات على منافسة واشنطن على النفوذ والتأثير في إفريقيا، وأنها لن تتنازل عن مساعيها في إعادة تشكيل النظام العالمي الحديث، بحيث لا يبقى فريسة لدولة واحدة تتحكم فيه كما تشاء.
ومن خلال 28 فعالية بالقمة التي شهدتها سانت بطرسبورغ (مدينة الليالي البيضاء، حيث لا تعرف المدينة الظلام لمدة شهر ونصف من بداية شهر حزيران إلى منتصف شهر تموز)، قالت روسيا كلمتها، وأكدت أنها تقف إلى جانب إفريقيا اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وأنها ستساهم في تحويل القارة السمراء التي تعاني دول كثيرة فيها من أزمات ومشاكل خانقة أورثها إياها الاستعمار الغربي، إلى دول تشهد نهضة اقتصادية كبيرة، من خلال مشروعات الشراكة الشاملة بينها وبين روسيا.
والسؤال المهم هو: هل سترد واشنطن بعد أن تستوعب رسائل بوتين لها في قمة سانت بطرسبورغ؟ أم ستحاول خداع إفريقيا من جديد بأنها ستعمل على إصلاح ما أفسدته فيها طوال العقود الماضية؟
والجدير بالذكر أن واشنطن حاولت بشتى الطرق الحيلولة دون عقد هذه القمة، إلا أنها فشلت في ذلك.