انقسام واقعي وتحدّيات كبيرة

د. صياح فرحان عزام:

نُذر الانقسام الداخلي الأمريكي أصبحت واضحة للعيان، وظهرت، لا في الأيام الأخيرة فقط، عندما تأخر الكونغرس الأمريكي في اختيار رئيس له نحو أسبوعين أو أكثر بقليل، قبل أن يتحقق التوافق على ذلك بصعوبة، نظراً للتباين في الآراء بين أعضاء المجلس من جمهوريين وديمقراطيين، وحتى بين الجمهوريين أصحاب الأغلبية في المجلس.

كما هو معروف، ظهرت الانقسامات بصورة أشدّ وأوضح في الملابسات التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي تنافس فيها ترامب وبايدن، ورفض ترامب في سابقة خطيرة حضور تنصيب خلفه.

في الأيام القليلة الماضية ظهر انقسامٌ جديد أشدّ وأبلغ في دلالاته من الانقسامات السابقة، فمنذ أكثر من مئة عام لم يحصل مثل هذا الحدث، إذ أخفق مجلس النواب الأمريكي في عدة جلسات متتالية في اختيار رئيس له، بعد أن أصبح الجمهوريون يتمتعون بأغلبية تكفي ليكون رئيسه جمهورياً، ولكن نواب الحزب انقسموا على أنفسهم خلال الجلسات التي أخفقت في تأمين الأغلبية التي يحتاج إليها مرشح الحزب كيفن مكارثي.

وقد رأى البعض أن للرئيس الأمريكي السابق ترامب علاقة بعرقلة انتخاب مكارثي على خلفية موقف الأخير (أي مكارثي) الذي انتقد فيه هجوم أنصار ترامب ومؤيديه على مبنى الكونغرس الأمريكي في اليوم الذي جرى فيه تنصيب بايدن رئيساً، ولكن بالرغم من ذلك ذكرت الأنباء الواردة من واشنطن أن ترامب حثّ المعترضين من أعضاء حزبه على انتخاب مكارثي خاصة عندما قال لهم: (لا تحوّلوا نصراً عظيماً_ يقصد النصر في الانتخابات النصفية التي جرت مؤخراً_ إلى هزيمة محرجة للجمهوريين)، إلا أن مناشدة ترامب هذه لم تلقَ تجاوباً أو آذاناً مصغية في بداية الأمر.

إذاً، يتضح مما تقدّم أن انقساماً أمريكياً داخلياً حاداً قد ظهر، وليس فقط نذر انقسام كما ذكر البعض ليهوّن من أمر هذا الانقسام، بمعنى أن الانقسام تعدّى النذر ليصبح واقعاً، حتى لو نجح الجمهوريون في تخطّي عقدة انتخاب رئيس منهم لمجلس النواب، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن الانقسام الداخلي الأمريكي أعمق وأشمل من أن يكون مقتصراً على الجمهوريين، وإنما يشمل الديمقراطيين أيضاً.

إضافة إلى كل ذلك، هناك تحديات أخرى في الداخل الأمريكي، وهي تحديات خطيرة من دون شك، ومنها:

– استشراء العنف الداخلي بسبب سماح الدستور الأمريكي للمواطن العادي باقتناء السلاح وحمله، وما يترتب على ذلك من جرائم القتل بهذا السلاح، لدرجة أن (بي.بي.سي) أشارت في تقرير مفصل إلى أن الموت بالسلاح الناري وصمة ثابتة في الحياة الأمريكية، وبالطبع هناك تخوف من بدء حرب أهلية أعربت عنه وسائل إعلام أمريكية.

ويبدو واضحاً أن حكمة تقول: (إن من عاش بالسيف مات به)، تنطبق على الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها حتى الآن.

– إلى جانب ذلك، فإن الإرهاب الأبيض ينهش الجسد الأمريكي، إذ تنفذ عناصر ميليشيات بيضاء مدججة بالسلاح عمليات عنف مثيرة، مثل الهجوم على مراكز ودوريات الشرطة، كما حصل في ولاية ميتشغان، وكما حصل في تفجير مبنى في أوكلاهوما أسفر عن مصرع 168 وإصابة 680 شخصاً، مع العلم بأن عمليات الإرهاب الأبيض تستهدف السود بشكل خاص.

لقد أصبحت الميليشيات الأمريكية المتطرفة بمثابة (السرطان) الذي ينهش الجسد الأمريكي من الداخل، كما قال خبير أمني أمريكي.

– أيضاً ينتشر بشكل واسع وملحوظ الخطاب اليميني الشعبوي، لدرجة أن الباحث الأمريكي هوير ديكسون، من جامعة دوريال رودز، تنبأ بمخاطر حرب أهلية وحكم ديكتاتوري وانهيار الولايات المتحدة بحلول عام 2030، وهناك تخوّف أمريكي شعبي حقيقي من المستقبل في ظل تفشّي اليمين الشعبوي هذا.

– كذلك برزت نزعات انفصالية في بعض الولايات.. ويقول تقرير للمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة في الانتخابات، ومقرّه ستوكهولم: إن الولايات المتحدة أصبحت ضحية لميول الاستبداد، وهناك عدم ثقة بصنّاع القرار وبالنخبة السياسية الفاسدة، وإن التراجع الأمريكي لم ولن يتوقف، وهو مقدمة لانهيار شامل بحلول عام 2030.

باختصار، إن الانقسام الداخلي الأمريكي يتزايد باستمرار، وإذا أضيفت إلى ذلك التحديات الأخرى التي جئنا على ذكرها، مثل انتشار وتوسع العنف الداخلي، وتزايد نشاط الإرهاب الأبيض، وتصاعد الخطاب اليميني الشعبوي المتطرف، كل ذلك يعد من المؤشرات الواضحة على أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست بخير.

 

العدد 1194 - 15/04/2026