تونس.. باكورة الربيع العربي على خارطة الطريق!

د. نهلة الخطيب:

مما يثير التساؤلات والدهشة أن بلداً كتونس تستحوذ اهتماماً كبيراً وتتصدر عناوين الأخبار في وسائل الإعلام وأوساط الرأي والفكر رغم أنها بلد متوسطة القوة وصغيرة المساحة لا يتجاوز عدد سكانها 12 مليون نسمة ومحدودة الموارد، وهي تعتمد على السياحة في دعم اقتصادها الوطني، مكانتها الاقليمية والدولية تكاد لا تذكر مقارنة بدول الجوار، ولكن أهميتها تكمن في أنها دولة شاطئية تشكل بروزاً في الشاطئ الافريقي يصلها بالشواطئ الأوربية الفرنسية والايطالية وتشكل ممراً ساحلي بين الجزائر وليبيا، وكما هو معروف الدول المطلة على البحار أكثر انفتاحاً واستيعاباً لحضارات وثقافات الشعوب الأخرى، وهذا ما دفع الشعب التونسي إلى مقارنة واقعه بما وصلت إليه الشعوب الأوربية، فكانت الانتفاضة ضد النظام الحاكم في 17/1/2011، نظام الحزب الواحد رغم تعدد الأحزاب والحركات التي تتنافس على السلطة، وأهم الأحزاب القائمة في تونس الحزب الديمقراطي المتحد وأمينه العام زين العابدين بن علي، وهو الحزب الحاكم قبل الثورة، وحركة التجديد، والحركة الاجتماعية الليبرالية، وحزب التقدم الاشتراكي، والتكتل الديمقراطي والخ. وهناك حزبان إسلاميان: حزب النهضة وكان محظوراً قبل الانتفاضة، والحزب الإسلامي السلفي.

منذ انتفاضة 2011 أو ثورة الياسمين أولى ثورات ما يسمى (الربيع العربي) التي أطاحت بحكم الرئيس زين العابدين بن علي، تعاقبت تسع حكومات على السلطة بمعدّل حكومة كل سنة تقريباً بسبب التجاذبات السياسية لتصبح حكومة هشام مشيشي الحكومة التاسعة.

لم تؤدِّ الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت عام 2019 إلى تحقيق أي حزب للأغلبية البرلمانية المطلقة، وهو الوضع الذي لم يترك خياراً آخر سوى تشكيل حكومة ائتلافية من عدة أحزاب من مختلف الأطياف السياسية، وأحياناً لها مواقف متباينة في مختلف المجالات والقضايا السياسية، تعيش تونس منذ ذلك الوقت حراكاً سياسياً غير مسبوق بسبب حالة الضعف التي يمر بها البرلمان التونسي والصراعات السياسية بين مؤسسات الحكم، ولا سيما الصراع على السلطة بين رأسي السلطة التنفيذية، الذي اندلع مؤخراً عندما قام الرئيس قيس سعيد بإقالة رئيس الوزراء هشام مشيشي، وتجميد أعمال البرلمان، وتكشف تلك الخطوة النقاب عن الصراع الدائر وراء الكواليس بين رئيس الوزراء والرئيس والبرلمان، الأمر الذي عطل محاولات الإصلاح الاقتصادي وإنعاشه للإعداد لمرحلة ما بعد جائحة كورونا، التي أوقفت السياحة العمود الفقري للاقتصاد التونسي، والوقوف على المشاكل الأصلية للبلاد والمتمثّلة في إنعاش وتطوير الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية للمواطن.

الوضع الاقتصادي في تونس صعب للغاية، وقد تدهور أكثر خلال الأشهر الماضية وخاصة أننا نعيش أزمة اقتصادية عالمية وتضخماً وحروب طاقة وتوترات دولية آثارها انعكست على العالم ككل وارتفعت نسبة البطالة إلى نحو 18% وفقاً للإحصاءات الرسمية، كما قفزت بطالة الشباب إلى أكثر من 36% بنهاية عام 2020.

تأجج الصراع في 2022 بإجراءات استثنائية أجراها الرئيس سعيد بدت فيها ملامح نظامه الجديد في تغيير مرسوم 2014 وإحداث لجنة استشارية لصياغة الدستور وتصفية المؤسسات والهيئات القديمة، فقد جرى حل المجلس الأعلى للقضاء وهيئة الانتخابات والبرلمان، وإحداث بدائل لها عبر إجراء استفتاء شعبي إلكتروني، وبالفعل نجح في وضع قانون انتخابي جديد ودستور جديد يمنح الرئيس صلاحيات واسعة على حساب البرلمان، وحكماً مطلقاً وصفه البعض بأنها ترسيخ للديكتاتورية من خلال تجميع كل السلطات بيد الرئيس، وانقلاباً على ثورة الياسمين والديمقراطية.

القانون الانتخابي الجديد حجّم الأحزاب السياسية عندما منح الحرية للتونسيين باختيار مرشحيهم على أساس فردي بدلاً من قائمة حزبية واحدة، ونظم انتخابات تشريعية على دورتين، جرت الأولى في 17/1/2023 والثانية في 29/1/2023، قاطعتها أغلب الأحزاب السياسية ومشاركة شعبية خجولة لم تتجاوز 11.4% سببها اليأس من التغيير إلى الأفضل وأن لا قيمة تذكر لأصواتهم في ظل غياب الديمقراطية وتفاقم الاغتراب السياسي بين الطبقة الحاكمة وطبقات الشعب.

الأحزاب السياسية وعلى رأسها حزب النهضة الاسلامي ذات الأغلبية في المشاركة في حكم تونس منذ 2011 لم تنجح في تعبئة الشارع وتشكيل قوة مضادة للرئيس سعيد، والسبب هو تراجع ثقة الشعب بأطراف المعادلة السياسية ذلك أن هذه الأحزاب حكمت طيلة عشر سنوات وأدت إلى تدهور الاقتصاد الوطني وانهيار العملة المحلية وتعطل السياحة، ولم تحقق استقراراً سياسياً أو بيئة ملائمة لحماية الثورة وتحقيق حلم الديمقراطية، بل ركبت الموجة واستثمرت الحراك الشعبي لتحقيق مكاسب خاصة لها.

لا يبدو أن الربيع العربي قد أزهر في تونس، فالرئيس سعيد ماضٍ في خطته واستفراده بالسلطة ويقول: (إن مراحل خارطة الطريق اكتملت وحان الوقت للعودة إلى نظام سياسي يتحكم هو دون غيره في مصيره)، ومعارضوه يشككون في شرعيته ويطالبونه بالتنحي وسط مخاوف من انفجار الوضع وتأزمه أكثر تجعل المشهد التونسي مقبلاً على تغيرات جذرية تبعده عن المسار الديمقراطي، وخلق حالة من التمرد والعصيان للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية.

العدد 1194 - 15/04/2026