أوربا الغربية (بيبي) أمريكا!
د. صياح فرحان عزام:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإزاء ما لحق بأوربا من دمار، وضع الجنرال جورج مارشال (رئيس هيئة أركان الجيش ووزير الخارجية الأمريكي آنذاك) مشروعاً لإعادة إعمار أوربا الغربية عُرف بـ(مشروع مارشال)، وللإشراف على تنفيذ المشروع، شكّلت حكومات أوربا الغربية هيئة للإشراف على إنفاق أكثر من اثني عشر مليار دولار أمريكا، عُرفت باسم (منظمة التعاون الاقتصادي الأوربي)، وقد ساعدت تلك الأموال على إعادة إعمار المصانع الأوربية وتشغيلها، ووضع عجلات قطار الاقتصاد الأوربي على سكّة الإنتاج، الأمر الذي مكّن هذا الاقتصاد من الانتعاش والانطلاق.
ونتيجة للتقدم الذي شهدته أوربا الغربية، تحول المواطن الأوربي إلى العيش برفاه وبحبوحة، وأصبحت دولها يشار إليها بالبنان، وتمثل حلماً لكثيرين من أبناء العالم الثالث بالهجرة إليها والعيش في أكنافها.
بعد الدمار الذي أصاب الاقتصاد الأوربي وكساده إلى حد كبير، وأدى إلى انتشار مظاهر الفقر والبطالة الجوع آنذاك، أحدث مشروع مارشال نقلة حقيقية في حياة أوربا الغربية.
وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتضرر من الحرب بسبب موقعها الجغرافي البعيد عن ساحات الحرب التي دخلتها متأخرة، حتى يكون لها حصة من المغانم، علماً بأن من تحمل عبء تحقيق النصر في تلك الحرب على النازية هو الاتحاد السوفييتي السابق، الذي دفع عشرات الملايين من الشهداء من أبنائه، وأيضاً كان الهدف من مشروع مارشال الحيلولة دون انتشار الشيوعية في أوربا وانضمام دولها إلى المعسكر الاشتراكي.
لهذه الأسباب، قررت الولايات المتحدة تقديم المساعدة للدول الأوربية عبر مشروع مارشال، وليس لوجه الله كما يقال، ومنذ ذلك اليوم حتى الآن، أصبحت أوربا الغربية تابعة (تبعية) مطلقة لأمريكا، ولفرط هذه التبعية وشدّتها، أطلق على دولها لقب (بيبي أمريكا)، لذلك لا يمكن لأوربا أن تخرج من العباءة الأمريكية، فهي دائماً تابعة ومنفذة للقرار الأمريكي، وإذا ما حاولت أي دولة من القارة العجوز التمرد والخروج عن بيت الطاعة الأمريكي، فإن الرد الأمريكي بالمرصاد، وأكبر مثال على ذلك حين دعا الرئيس الفرنسي ماكرون نظراءه الأوربيين إلى تشكيل جيش أوربي حقيقي وموحد للدفاع عن أوربا، بمعزل عن حلف الأطلسي (الناتو)، والاستقلال عن التبعية الأمريكية، فقد كانت تظاهرات أصحاب (السترات الصفراء) أحد الردود السريعة الموجهة ضد دعوة ماكرون، الذي فهم الرسالة بدليل التراجع عن دعوته والانسجام التام لسياسته مع الموقف الأمريكي في الحرب ضد روسيا على أرض أوكرانيا، والخنوع الكامل لإدارة أمريكا، وكذلك لمواجهة الصين وتحجيمها.
إذاً الواضح أن أمريكا باتت كالقطة التي تأكل صغارها، من خلال قيامها بالتضحية بكل ما قدمته لأوربا عبر مشروع مارشال وإعادتها إلى العصر الحجري، من أجل بقائها القوة الوحيدة المهيمنة على العالم.
الاقتصاد الأوربي يعاني اليوم من التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع المستوى المعيشي للمواطن الأوربي، وخرجت التظاهرات في أكثر من بلد أوربي احتجاجاً على ذلك، أي على سياسة التبعية التي تنتهجها القارة العجوز، كذلك فإن أحد أسباب تفجير الحرب في أوكرانيا من قبل أمريكا هو محاولة إفشال خط أنابيب الغاز بين ألمانيا وروسيا (نوردستريم 2)، وتحجيم الاقتصاد الألماني المنطلق بقوة.
الخلاصة، هذه هي أمريكا التي تثير الحروب والصراعات وتمولها من مقدرات الشعوب، تارة باسم الصداقة وتارة باسم التحالف والتعاون، وتارة عن طريق السرقة المباشرة كما هو الحال في سورية والعراق وليبيا واليمن وبعض الدول الإفريقية، وبالتالي صدق من قال: (المتغطّي بأمريكا عريان).