روسيا تواجه (النازيين الجدد) في أوكرانيا

د. صياح فرحان عزام:

لروسيا شعباً ودولةً ذكرى جماعية مؤلمة مع النازية، وبالتالي حساسية سياسية مفرطة تجاه تنامي قواها الجديدة الصاعدة في أوربا، في امتداد تنامي صعود حركات اليمين العنصري المتطرف،  وليس في ذلك ما يثير الاستغراب، إذا تذكّرنا التجربة المريرة للشعب الروسي وشعوب الاتحاد السوفييتي السابق مع حقبة السيطرة النازية على أوربا وحروب هتلر عليها.

وكما هو معروف، فقد وقع العبء الأكبر في مواجهة النازية الألمانية على الجيش السوفييتي، خاصة عند اجتياح ألمانيا الأراضي السوفييتية في عام 1941 وصولاً إلى حصار ستالينيغراد.

ويكفي أن روسيا وشركاءها في الاتحاد دفعت ضريبة بشرية مهولة في مواجهة النازية (خسرت 26 مليوناً ونصف المليون من المدنيين والعسكريين)، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الهائلة، وبالتالي فمن الطبيعي في ضوء هذه الخبرة التاريخية المريرة أن يرتفع معدل حساسيتها تجاه كل ما هو (نازي) أو يذكر بالنازية في أوربا، أو في جوارها الإقليمي المباشر.

حين تتحدث روسيا في هذه الأيام عن خطر النازيين الجدد في أوكرانيا، وتضع استئصالهم في قائمة أهداف عمليتها العسكرية الدفاعية، فهي تستدعي كل ذلك المخزون الهائل من الذكريات المريرة ومن الصور المرعبة التي تكونت في الخيال الجمعي الروسي، ورسخت فيه لتشكل المادة الخام لموقفها السياسي الخائف من انبعاث النازية من جديد على مقربة من حدودها، بل في مواجهة مباشرة مع امتدادها في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا.

إضافة إلى ذلك لا يمكن لروسيا أن تنسى أن للنازية نفوذاً قديماً في أوكرانيا يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، فقد شارك نازيو أوكرانيا، المتحمسون لهتلر، النازية الألمانية في احتلالها هولندا في ربيع عام 1940 حتى مع إعلان الأخيرة الحياد في الحرب عام 1939، ولكن الأهم بالنسبة للروس أنهم لم ينسوا أن جماعات النازية في أوكرانيا الموالية لألمانيا شاركت في جيوش هتلر التي غزت الاتحاد السوفييتي في حزيران 1941، كما أن مجموعات أوكرانية متطرفة يقودها باروسلان بانديرا أعلنت عن قيام دولة مستقلة عن الاتحاد السوفييتي في (لفيف) غربي أوكرانيا، وأنشأت (جيش المتمردين الأوكراني) الذي نفذ مذابح تطهير عرقي لما يقارب مئة ألف بولوني في فولينيا.

ولهذا فإن وجود تربة خصبة أنتجت الفكرة النازية في الماضي، قد تنجب جيلاً جديداً منها، ظهر فعلياً على مسرح الأحداث في معارك الشرق الأوكراني قبل ثمانية أعوام. أما الادعاء بأن المخافة الروسية من تنامي النازية الجديدة في أوكرانيا بأنه ذريعة لتبرير العملية العسكرية فهذا الادعاء تدحضه معلومات كثيرة متداولة في الدوائر السياسية والاستخبارية والإعلامية الأمريكية والأوربية عن تلك الجماعات، إلى جانب وثائق لفظاعات ضد سكان شرق أوكرانيا عامي 2014 و2015، ثم ضمّ الميليشيات النازية إلى الحرس الوطني، لتصبح جزءاً من المؤسسة العسكرية الرسمية.

هناك أيضاً حركة (أوزوف) التي ألقى الضوء على تحركاتها العنصرية لا روسيا فقط، بل كذلك دولٌ مثل كندا والولايات المتحدة (قبل أن تتراجعا عن مواقفهما منها)، والأمم المتحدة وغيرها من المنابر والمنظمات الدولية الغربية تصفها بالنازية، وتحذر من خطورتها على أوضاع حقوق الإنسان.

وقد حذرت وكالة (رويترز) في تقرير لها في عام 2018 أوكرانيا من مغبة عدم التدخل لوقف تفشي نشاط الجماعات النازية فيها ووضع حد لعنفها ضد الناس، كما تكررت الإشارة إلى الميليشيات التي شكلتها حركة (أوزوف)، وهي اليوم وحدة عسكرية من قوات المشاة مؤلفة من 30 كتيبة من القوميين المتطرفين، متخذة الصليب المعقوف شعاراً لها مثل (مثل النازية الألمانية) تماماً، وتشكلت في عام 2014 من الفئات والمجموعات المتطرفة التي قادها المدعو أندريه بيلنسكي (الذي صار عضواً في البرلمان بين عامي 2014 – 2019) ومن مجموعة (الجمعية الوطنية) الاجتماعية النازية الجديدة المتطرفة أيضاً، ولم تلبث (أوزوف) التي توسع نشاطها، فأقامت المعسكرات لتدريب الفتيان، أن دُمجت في الحرس الوطني الأوكراني من عام 2014 بقرار رسمي.

 

العدد 1194 - 15/04/2026