حرب أمريكية أبدية بلا رصاص

د. صياح فرحان عزام:

بات من الواضح لكل من يتابع التطورات السياسية في العالم وخاصة في المنطقة العربية، أن الولايات المتحدة الأمريكية، بغضّ النظر عن إدارتها المتتابعة ديمقراطية أو جمهورية، تخوض ما يمكن تسميتها (الحرب الأبدية الحقيقية)، فقد تتوقف واشنطن لبعض الوقت عن تنفيذ مغامرات عسكرية أو غزوات خارجية، لكن إجراءاتها العقابية الاقتصادية المسلطة على رقاب الشعوب والدول والمنظمات التي تعارض السياسة الأمريكية لم ولن تتوقف، وهذه الحرب الأبدية تتمثل في العقوبات الاقتصادية. ويبدو أن هذه الحرب الاقتصادية (العقوبات)، هي أحد أهم الدروس التي تعلمتها أمريكا من تجربتي الحرب العسكرية المباشرة على كل من العراق وأفغانستان، لأن قتل العدو ببطء من خلال خنقه بحصار اقتصادي وعقوبات مالية وتجارية أكثر أمناً وأقل كلفة من الاستعانة بالجيوش والسلاح من وجهة نظر القادة العسكريين والمدنيين الأمريكيين.

على أي حال، قبل هاتين الحربين وبعدهما، تظل العقوبات إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، من خلال الضغط على أعدائها من أجل تغيير سياساتهم أو مواقفهم، أو انتقاماً منهم، ولهذا لن يختلف الوضع مع الإدارة الحالية (إدارة بايدن) عما كان مع الإدارات السابقة، خاصة أن الرئيس بايدن لا يميل- كما يزعم- بطبعه إلى شن الحروب العسكرية المباشرة، ومما يؤكد ذلك الوثيقة التي أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية منتصف شهر تشرين الأول عام 2021، فقد أكدت هذه الوثيقة أن الرئيس بايدن سيلتزم بالجزء الأكبر من منظومة العقوبات التي فرضها الرئيس السابق ترامب، لكن ستكون هناك فروق جوهرية أهمها (التنسيق مع الحلفاء الذين تجاهلهم ترامب، بل وصل الأمر به إلى درجة فرض عقوبات على بعض الحلفاء، مثلما فعل مع ألمانيا، لإصرارها على مشروع خط أنابيب الغاز الروسي (نوردستروم).

كما أن بايدن وعد في هذا السياق برد الاعتبار للمنظمات الدولية، وفي هذا الإطار كان قراره برفع العقوبات التي فرضها ترامب على محكمة الجزاء الدولية، وكذلك قراره بالعودة إلى منظمة الصحة العالمية التي كانت بلاده قد انسحبت منها.

وإذا كانت وزارة الدفاع هي التي تقود الحروب الخارجية، فإن وزارة الخزانة تتولى قيادة الحروب الاقتصادية بالتعاون مع وزارتي التجارة والداخلية، فعلى الموقع الرسمي لوزارة الخزانة توجد قائمة طويلة لما يسمى برامج العقوبات التي تم تحديثها خلال عامي 2020 و2021، وتشمل 37 برنامجاً، وتضم الدول والمنظمات المستهدفة بالعقوبات، والتي تشمل أيضاً أنشطة محددة مثل الإرهاب أو تجارة المخدرات، أو الانتشار النووي، أو الهجمات السيبرانية، والتي تفرض أحياناً على أفراد دون أن تشمل الدولة التي ينتمون إليها.

والجدير بالذكر أن العقوبات المذكورة معظمها أو كلها تقريباً مسيسة، وتعكس إدراك صانع القرار الأمريكية بأهمية العقوبات كسلاح اقتصادي فعال لإركاع الدول وإذلالها، وجرها إلى التبعية الأمريكية في سياستها. وبصرف النظر عن نجاح سياسات العقوبات أو فشلها ومدى تأثيرها على المعاقبين، فإنها تسبب لواشنطن متاعب وأضراراً لا يمكن تجاهلها، وهناك تحذيرات من هذه الأضرار ليست جديدة، فقد أشار إليها في عام 2016 وزير الخزانة آنذاك جاكوب ليو في تصريحات له أثارت جدلاً واسعاً حول عدم فاعليتها والمبالغة فيها، كونها تضر بسمعة وصورة أمريكا، وإظهارها بأنها تسيء استخدام قدراتها كدولة قائدة للنظام العالمي.

كما تحدث عن ضرر آخر مهم السفير السباق دانيل فرايد، والمحلل السياسي الحالي بمجلس أتلانتك للدراسات، وهو أن الإفراط في استخدامها سيشجع على الاستغناء عن الدولار كعملة في التبادلات والسعي لإيجاد نظام بديل، كما تسعى روسيا والصين إلى ذلك الآن، وكذلك اعتراف بعض العاملين في وزارة الخزانة بفشل استخدام هذه العقوبات كوسيلة دعائية لكسب تعاطف الجمهور في الداخل بادعاء أنها تحقق انتصاراً سريعاً، وهو ما لم يتحقق. ولهذا تنصح وزارة الخزانة بعدم التسرع في فرض العقوبات، وخاصة الانتقامية منها، ودراستها جيداً وعدم استعمال النتائج.

وهكذا يتضح أن وثيقة الخزانة الأمريكية حول العقوبات الاقتصادية لم تشر بشكل صريح، إلا أن بين سطورها ما يشير إلى أن حرب أمريكا الاقتصادية ستتواصل، بل ستزداد شراسة، ولن تستثني كبيراً أو صغيراً، فالكل لدى أمريكا في العداء سواء.

 

العدد 993 - 19/01/2022