واشنطن تسعى لبناء (ناتو) آسيوي!

د. صياح عزام:

مرت ثلاثة عقود على انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، بعد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي السابق، ومع هذا عانت الولايات المتحدة في سبيل أن تجعل العالم يدور في فلكها فقط أو يخضع لها، إذ برزت حالات ممانعة عديدة في فضاءات إقليمية ودولية ومعارضة للتفرد الأمريكي بقيادة العالم، وجاء الصعود الصيني في العقدين الأخيرين ليجعل واشنطن تضع بكين على رأس ما تسميه تهديد أمنها القومي المزعوم.

ولكن على الرغم القوة العسكرية المتعددة الأشكال للولايات المتحدة من أساطيل بحرية، وأسلحة متقدمة، وتقنيات وتحالفات، والإمكانات المالية الجبارة والأبحاث المستمرة، إلا أن الصعود الاقتصادي للصين وزيادة اعتماد الأسواق العالمية على إنتاجها، ووجود خطط تجارية واقتصادية طموحة لديها، في مقدمتها مبادرة (الحزام والطريق) جعلت الصين منافساً حقيقياً وشرساً للولايات المتحدة يستحق تسخير كل الإمكانات والتحالفات في مواجهته حسب الاستراتيجية الأمريكية الحالية.

ففي 24 من الشهر الماضي 2021 استضاف الرئيس بايدن رؤساء الهند واليابان وأستراليا، وهم قادة الدول المنضوية في التحالف الرباعي (كواد) لمواجهة الصين. وتأتي هذه القمة كمحاولة لتفعيل هذا التحالف الذي كان قد تأسس في عام 2004 إثر تسونامي مدمّر في المحيط الهندي، وأخذ صفته الرسمية عام 2007، وقامت دوله بمناورات بحرية مشتركة، ولكن بشكل عام بقي هذا التحالف غير فعال من حيث نشاطه وبرامجه إلى أن جرى تفعيله مع جائحة كورونا، وقد جرت مباحثات أولية في شهر شباط الماضي في المحيطين الهادي والهندي معاً، ما يعني فعلياً التوجه لمواجهة أنشطة الصين العسكرية في فضائها الجيوسياسي.

ونظراً لوجود حساسيات الجوار، بقيت دول التحالف الرباعي في حالة ووضع توجّس من إثارة أوضاع مواجهة مع الصين، لكن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاع حدة التوتر بين الصين ودول التحالف، وصلت كما هو الحال مع الهند إلى مواجهة عسكرية حدودية، كما اتهمت أستراليا الصين بالتدخل في سياساتها الداخلية، إضافة إلى التنافس التكنولوجي والتجاري الآخذ في التصاعد بين بكين وطوكيو، مع وجود مشكلات تاريخية مزمنة بين البلدين، ونزاع غير محسوم على جزر متنازع عليها بين الدولتين، كل هذه العوامل تجعل من تفعيل التحالف الرباعي مصلحة مشتركة لجميع أعضائه، تعمل إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للاستثمار فيه، لكن هذه المرة، في إطار أشمل وأكثر تركيزاً من الناحية الاستراتيجية.

منذ سنوات – كما هو معروف- أخذ الخط البياني للإنفاق العسكري الصيني في الارتفاع بشكل ملحوظ ومقلق للولايات المتحدة وللدول المجاورة للصين (حسب ادعاءات هذه الدول)، فقد أكد معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام أنه قد وصل في عام 2020 إلى 252 مليار دولار، مع العلم بأن حجم هذا الإنفاق يظل بعيداً عن حجم الإنفاق العسكري الأمريكي المقدر بحوالي 778 مليار دولار! الأمر الذي يشير إلى الفرق الشاسع بين الإنفاقين.

وهكذا يمكن القول إن قمة 24 أيلول 2021 لقادة التحالف الرباعي وجهت رسائل عديدة للقيادة الصينية، وفي مقدمتها أن واشنطن تضع ثقلها في نقل المعركة التجارية والاقتصادية إلى موقع متقدم يقع في محيط خصمها الصيني، وأن أمن المحيطين الهندي والهادي (كما تدعي واشنطن) هو أولوية قصوى في أمن أمريكا الاستراتيجي، استناداً إلى أن أمريكا هي إمبراطورية بحرية بالأساس، ولن تسمح للصين بزيادة نفوذها العسكري البحري، وأن واشنطن ستزيد من حجم التعاون العسكري مع جوار الصين ولاسيما مع الجيش الهندي الذي أصبح يحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الإنفاق العسكري.

باختصار.. يمكن القول إن إدارة الرئيس الأمريكي بايدن ستكثف عملها لبناء النسخة الآسيوية من (حلف الناتو) لتطويق الصين، والحد من الخط البياني لصعودها الاقتصادي والعسكري إذا استطاعت ذلك.

 

العدد 994 - 26/01/2022