استفزازات المستوطنين تشعل الصدامات في القدس المحتلة

د.ماهر الشريف:

تتواصل منذ مساء يوم الخميس في 22 نيسان (أبريل) الجاري الصدامات العنيفة التي تشهدها مدينة القدس الشرقية المحتلة بين المتظاهرين الفلسطينيين، من جهة، وأفراد الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين اليهود، من جهة ثانية. وكان التوتر قد راح يخيم على المدينة منذ أول شهر رمضان بسبب قيام قوات الشرطة الإسرائيلية بمنع التجمعات والنشاطات الرمضانية في وسط المدينة، والحؤول دون ممارسة المرشحين والمرشحات الفلسطينيين إلى انتخابات المجلس التشريعي القادمة دعايتهم الانتخابية.

 

شرارة الصدامات

وكانت هذه الصدامات قد بدأت مساء ذلك اليوم بعد أن جابت تظاهرة للمستوطنين اليهود من منظمة (لاهافا) العنصرية عدداً من أحياء المدينة العربية، وخصوصاً حي الشيخ جراح، وقاموا بإلقاء الحجارة على نوافذ منازل الفلسطينيين وإعطاب إطارات سياراتهم، وحاولوا التوجه إلى منطقة باب العامود وهم يهتفون: (الموت للعرب) (العرب إلى الخارج). وأوضحت صحيفة (هآرتس) أن المستوطنين حاولوا اختراق حواجز الشرطة، وقال بنتسي غوبشتاين رئيس المنظمة التي نظمت التظاهرة إن (الشرطة تنتظرنا الليلة لنصرخ الموت للعرب ليعتقلونا، لن نمنحهم ذلك، ومن يهاجمنا سوف يتلقى العقاب)[1].

وتواصلت الصدامات مساء اليوم التالي في أطراف البلدة القديمة، وجرت مواجهات بين الشرطة والشبان الفلسطينيين بالقرب من باب العامود بعد صلاة التراويح التي شارك فيها الآلاف من المصلين، وكانت حصيلة المواجهات بحسب الهلال الأحمر الفلسطيني سقوط 105 جرحى من الفلسطينيين تم نقل 22 منهم إلى مستشفى المقاصد، بينما أعلنت الشرطة الإسرائيلية، التي استخدمت القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، عن وقوع 20 جريحاً بين صفوفها بسبب قيام المتظاهرين الفلسطينيين بإلقاء الحجارة وزجاجات الماء عليها، كما قامت باعتقال عشرات المتظاهرين[2].

 

من هي منظمة (لاهافا)؟

يكتب الصحافي باسم الرومي إن منظمة (لاهافا) أو (الشعلة) هي منظمة يهودية متطرفة يتزعمها بنتسي غوبشتاين، العضو السابق في منظمة (كاخ) المتطرّفة، التي أسّسها الحاخام الصهيوني مئير كاهانا في سنة 1971، والتي نفذت عدداً من الهجمات على الفلسطينيين، من ضمنها مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، في 25 شباط (فبراير) 1994، التي سقط فيها 29 مصلياً على يد اليهودي المتطرف باروخ غولدشتاين. وتضم منظمة (هالافا) هذه، بوجه خاص، أعضاء من متخرّجي المدارس والمعاهد الدينية في المستوطنات، حيث يتم تلقينهم معاداة العرب كجزء من النظرية العرقية، ويؤمن أعضاؤها البالغ عددهم نحو 5000 عضو بأن (اليهودية دين بطش وقوة).

وتنشط هذه المنظمة ضد (اختلاط اليهود بالعرب والزيجات المختلطة)، وهي بدأت نشاطها في الجامعات بمهاجمة الشبّان العرب عند مصادقتهم فتيات يهوديات. ونظمت في سنة 2014 تظاهرة رفعت فيها شعارات معادية للعرب مثل (الموت للعرب)، خلال زواج مختلط في مدينة تل أبيب بين شاب مسلم وفتاة يهودية. وخضع زعيمها غوبشتاين في سنة 2015 للاستجواب بعد دفاعه عن حرق الكنائس، الأمر الذي دفع ممثلية الفاتيكان في إسرائيل إلى توجيه رسالة مستعجلة للمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية آنذاك (يهودا فينشتاين) طالبته فيها بإصدار تعليمات بتقديم لائحة اتهام ضده بتهمة التحريض على العنف والإرهاب، بعد أن دعا علانية إلى حرق الكنائس المسيحية كافة في فلسطين، اقتداءً بجريمة حرق كنيسة (الخبز والسمك) الأثرية في مدينة طبريا[3].

وتمثّل منظمة (لاهافا) واحدة من عشرات المنظمات اليهودية الإرهابية التي تنشط في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلين، ومن بينها منظمة (شارة ثمن) التي تأسست كما يعتقد سنة 2008 ونفذت مئات العمليات على مدى السنوات الماضية، شملت عمليات قتل، وإحراق مساجد وكنائس، وتخريب محاصيل المزارعين الفلسطينيين، وتسميم آبارهم، وكانت أخطر هذه العمليات إحراق عائلة دوابشة الفلسطينية. وبحسب الصحافي صالح النعامي، فإن هذه المنظمة تستلهم أفكار الحاخام يتسحاك جينزبورغ، أحد أبرز المرجعيات الدينية اليهودية، الذي يدير مدرسة دينية في مستوطنة (يتسهار) الدينية الواقعة إلى الجنوب من مدينة نابلس، ويعتبر أن (المجتمع الإسرائيلي يمر بمرحلة ولادة من جديد، ونظراً لأن عملية الولادة تكون مقترنة بآلام لكل من الأم والجنين، فإن الجنين يهتزّ بفعل الألم في كل اتجاه لتخفيفه، ويقوم بأعمال غير خاضعة للسيطرة، وعمليات التخريب التي ينفذها الشباب اليهودي في مواجهة الغوييم (غير اليهود)، هي مثال على هذه الأعمال غير الخاضعة للسيطرة). وقد سبق لهذا الحاخام أن ألّف كتاباً بعنوان: (باروخ البطل)، تضمّن (تأصيلاً فقهياً) لتبرير المجزرة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين في المسجد الإبراهيمي في الخليل[4].

 

تغطية عمليات الإرهاب اليهودي

كتب الصحافيان البلجيكيان جان-فرانسوا هربك و د. فونتين يوم 23 نيسان (أبريل) الجاري مقالاً بعنوان: (القدس: تصاعد العنف عقب مظاهرة يهود متطرفين في الأحياء العربية)،  أشارا فيه إلى (أن الشرطة الإسرائيلية سمحت لأنصار منظمة (لاهافا) اليمينية المتطرفة بتنظيم مظاهرتهم بذريعة ضمان حرية التعبير)،  واعتبرا أن البيئة السياسية في إسرائيل باتت ملائمة لنشاط المنظمات اليمينية اليهودية المتطرفة، وخصوصاً بعد أن أسفرت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة (عن دخول حزب كهاني، عنصري وعنيف، إلى الكنيست، وهو ما مثل خطوة جديدة في اتجاه تعزيز راديكالية المجتمع الإسرائيلي)[5]. ومن المعروف أنه بفضل مساعي بنيامين نتنياهو، الذي كان يرغب في تعزيز حظوظه الانتخابية، تشكلت قائمة (الصهيونية الدينية) التي تضم ثلاثة أحزاب صهيونية دينية عنصرية، من بينها حزب (عوتسما يهوديت-قوة يهودية) بقيادة إيتمار بن غفير، الذي أصبح عضواً في الكنيست ويطمح إلى أن يشغل منصباً حكومياً في حال نجاح نتنياهو بتشكيل حكومة، وهو الذي يصف نفسه بأنه وريث الحاخام العنصري الراحل مئير كاهانا.

والواقع، أن بنيامين نتنياهو، منذ تسلمه السلطة في سنة 2009، ساهم مساهمة كبيرة في تسريع تحوّل المجتمع الإسرائيلي نحو مواقع اليمين القومي والديني المتطرف، وفي خلق بيئة سياسية ملائمة لنشاط منظمات الإرهاب اليهودي، التي عبّر خبراء من الأمم المتحدة مؤخراً –كما ينقل الصحافيان المذكوران- عن قلقهم بسبب تزايد عنفها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، إذ ارتكب أعضاؤها 770 هجوماً على الفلسطينيين أو على ممتلكاتهم، خلال سنة 2020، وأكثر من 200 هجوم خلال هذه السنة.

وتتمثل المفارقة في أن بنيامين نتنياهو نفسه، الذي يوفر هذه البيئة السياسية الملائمة، دعا يوم السبت في 24 نيسان (أبريل) الجاري إلى عودة الهدوء في القدس، وصرّح قائلاً: (نريد قبل كل شيء ضمان احترام القانون والنظام العام.. وأدعو جميع الأطراف إلى الهدوء). أما حليفته في واشنطن، فقد أعربت في تغريدة على تويتر للناطق باسم الخارجية الأميركية نيد برايس (عن قلقها العميق)، بسبب استمرار المصادمات في القدس ودعت إلى (نبذ الخطابات المتطرفة المحرضة على الكراهية) وإلى ضمان (الهدوء والاتحاد!!)، كما حثت السلطات الإسرائيلية (على توفير الأمن وحقوق الجميع في القدس)[6].

أما شباب وشابات مدينة القدس المحتلة، فهم يثبتون مرة أخرى أن إجراءات الضم والتهويد، وكل استفزازات المستوطنين المتطرفين، لن تثنيهم عن مواصلة النضال من أجل حماية الوجه العربي الفلسطيني لهذه المدينة التي هي في القلب من قضيتهم ومشروعهم الوطني.

العدد 977 - 22/09/2021