الحديث عن (طريق حرير أمريكي).. أبعاده وخلفياته

د. صياح فرحان عزام:

تحدثت صحيفة عربية مؤخراً عن أن الرئيس الأمريكي جو بايدن تحدث عن خطة لإنشاء مشروع منافس لمشروع طريق الحرير الصيني، وقد أثار هذا الحديث الكثير من الجدل حول جدية هذه الخطة وتوقيتها، وطُرحت عدة تساؤلات حولها، هل هي مجرد عنوان عريض يعبر عن تصعيد المواجهة الأمريكية مع الصين، أم أنه مشروع جدي ومدروس؟

وكان بايدن قد أعلن عن المشروع عقب اتصاله برئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسن، ودعوته له إلى أهمية اشتراك الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، لإنشاء مشروعات بنية أساسية من طرق وموانئ وغيرها في البلدان التي تحتاج إلى مساعدة، وعدم ترك الصين تنفرد بإنشاء (طريق الحرير) الجديد الذي يتضمن بناء شبكات مواصلات برية وبحرية وبنية تحتية أساسية لتعزيز نفوذها في العالم (حسب زعمه).

ولكن، إذا كانت معالم مشروع طريق الحرير الأمريكي غير محددة حتى الآن، إلا أن التزامن بين إعلان بايدن عن طريق الحرير هذا، وإعلان رئيس النظام التركي أردوغان عن عزم تركيا على شق قناة اسطنبول، يثير الكثير من الشكوك والتكهنات عن ترابط الخطوتين، وما يزيد من احتمال وجود روابط بين طريق الحرير الأمريكي وقناة اسطنبول، دعم أردوغان لحرب ناغورني كاراباخ ضد أرمينيا لربط تركيا بدول القوقاز جنوب روسيا ووسط آسيا، لتكون تركيا معبراً لطرق موازية لطريق الحرير الصيني، كما يدعم أردوغان أوكرانيا في بسط السيطرة على إقليم دوبناس وشبه جزيرة القرم في مواجهة روسيا، وذلك في وقت تراجعت فيه أوكرانيا عن تنفيذ (اتفاقية مينسك) الداعية للتفاوض حول العلاقة بين إقليم دوبناس وأوكرانيا، لتشتعل الأزمة الأوكرانية من جديد، وما تبع ذلك حشد الأساطيل الأطلسية والروسية في البحر الأسود، وهذا الحشد الأطلسي العسكري هو محاولة جديدة لتطويق روسيا والصين معاً باعتبارهما القوتين الأخطر على النفوذ الأمريكي في العالم من وجهة نظر واشنطن وحلفائها.

لا شك بأن إعلان الرئيس بايدن عن مشروع طريق الحرير الأمريكي، هو بمثابة خطوة أمريكية لتعزيز الحملة على مشروع الحزام والطريق الصيني (طريق الحرير)، والذي ينظر إليه الرئيس بايدن على أنه يشكل خطوة صينية كبيرة للتمدد نحو أوربا وإفريقيا (حسب زعمه)، ولهذا تمارس واشنطن ضغوطاً كبيرة ومتعددة الأشكال لوقف تقدم المشروع الصيني الكبير.

ويصف الغرب عادة هذا المشروع الصيني بأنه مشروع استعماري وفاسد، ويدعي أن الاستثمارات الصينية في عشرات الدول الآسيوية والإفريقية، ستثقل تلك الدول بالديون، وفي الحقيقة فإن الصين لم تستعمر أية دولة كما فعل ويفعل الغرب حتى الآن، وأن المشروع الصيني هو أكبر مشروع تنموي في العالم، يحقق المكاسب لكل البلدان، بعيداً عن أي استغلال، كما ويحسن فرص التنمية والتبادل التجاري في العالم.

ويُجمع العديد من المحللين السياسيين والاقتصاديين المحايدين على أن الإعلان الأمريكي عن (طريق الحرير الديمقراطي) كما وصفته واشنطن، يأتي في سياق الضغوط الأمريكية على الصين وروسيا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، ومن شأنه أن يزيد من حدة الاستقطاب بين هذين التكتلين الكبيرين.

جدير بالذكر أن دولاً وازنة ومتعددة تقف إلى جانب روسيا والصين مثل إيران وكوريا الديمقراطية وبعض بلدان آسيا وأمريكا الجنوبية.

أيضاً العالم بأسره يعرف أن كلاً من الصين وروسيا ترفعان راية التنمية ومساعدة الدول الصغيرة، من دون أي استغلال، وراية التعددية القطبية، واحترام التنوع الثقافة وإرادات الدول والتعاون البنّاء، بينما أثبتت الوقائع والأحداث، تستر التحالف الأمريكي- الأوربي وراء الديمقراطية وحقوق الإنسان ومنظومة القيم الغربية الأخرى المتفوقة على القيم العالمية الأخرى -حسب زعمهم.

باختصار.. إعلان بايدن هذا عن طريق الحرير الأمريكي، هو حلقة في مسلسل الحرب الاقتصادية ضد الصين وروسيا، بالتوازي مع الشق العسكري، المتمثل بتفعيل دور حلف (الناتو)، ويعرف العالم أجمع ما ارتكبته الولايات المتحدة وأوربا من فظائع وجرائم وانتهاكات في فيتنام والعراق وأفغانستان وسورية واليمن وليبيا، ومجازر فرنسا في الجزائر، وما فعلته ألمانيا النازية، في حين أن التاريخ يؤكد أن سلوك كل من روسيا والصين كان ومازال يتجه نحو تجنب الصراعات الدولية، والسعي لحل المسائل الدولية الشائكة بالطرق السلمية.

 

العدد 987 - 30/11/2021