زواج مبكر.. ولجوء!

د. أحمد ديركي:

فتاة ما دون عمر 18 سنة تتجهز بمساعدة من إناث عائلتها لعقد قرانها على ذكر، قد يكون بعمرها وفي أغلب الأوقات أكبر منها. يتم الزفاف وتعم الأفراح، ومن بعدها ينفض الحضور ويعود كل إلى مكانه إلا الطفلة التي خسرت أحلام طفولتها وأصبحت (زوجة)!

يبدو هذا المشهد الدرامي للبعض وكأنه مشهد اعتيادي، فعلى (الطفلة)، التي لم تتجاوز عمر 18 سنة، أن تتأهل وتجد (ذكراً) يحميها ويرعاها بغض النظر عن فارق السن بينهما.

اعتيادية هذا المشهد الدرامي تعود في جزء كبير منها إلى البنى الثقافية المكونة لثقافة الحضور، والمشرعين، والنظام السياسي القائم.

تسمح البنى الثقافية لهذا المشهد الدرامي أن يكون اعتيادياً، وللأسف هي ثقافة معممة في معظم أرجاء العالم العربي. فزواج القاصرات (مقبول)، لدى شريحة واسعة، في ثقافة بلدان العالم العربي وإن تفاوتت درجات القبول لهكذا فعل يخرق كل المواثيق الدولية من (حقوق الانسان) وصولاً إلى اتفاقيات (حقوق الطفل).

يعود سبب التفاوت في قبول هذا الفعل المأساوي لعوامل متعددة ومن أبرزها: الفارق ما بين الريف والمدينة. فالريف منطقة زراعية، أو رعوية، وغالباً ما تكون فيه نسب الفقر والأمية مرتفعة، ليس لأنه ريف بل لقصور في السياسات التنموية والانمائية المتبعة من قبل الأنظمة السياسية. بينما في المناطق المدينية، مقارنة بالريفية، تكون نسب الفقر والأمية أقل إضافة إلى ما تفرضه الحياة المدينية من تعديلات ثقافية على حياة المقيمين فيها، وبهذا تقل نسب تزويج القاصرات في المدن.

ومن العناصر الاخرى المرتبطة بتكوين البنية الثقافية، إضافة إلى مستويات التعليم، والمركز الاجتماعي.. هناك بنية الفكر الديني ومدى تجذرها في العقل الجمعي. فالفكر الديني يلعب دوراً مساهماً في هذا المشهد الدرامي لأنه يشرعن زواج القاصرات.

من خلال هذا التعقيد الثقافي والاقتصادي والاجتماعي تتكامل شبكة تبرير المشهد، بتدخل النظام السياسي المستغل لهذه الشبكة المتشابكة العناصر فلا يعمل على تفكيكها، بل يحاول تمتينها بطرق ملتوية ليظهر نفسه وكأنه يقف على (حياد) من هذه الظاهرة المرضية. فالنظام السياسي بالرغم من توقيعه على معاهدات حقوق الانسان وحقوق الطفل وبقية المواثيق الدولية المتعلقة بهذا الشأن، والمجرّمة لمشهدٍ كهذا يحاول إظهار نفسه وكأنه ذاك (الملاك) غير المتصادم مع (الشيطان).

وما يزيد الأمر تعقيداً في البنى الثقافية مفهوم (العذرية) وطبيعة علاقته بمفهوم (الشرف) ومفهوم (النسب الأبوي) ونكران (النسب الأمي)، حق الانتساب إلى الأم، ما يضع المذكر على رأس الهرم السلطوي انطلاقاً من العائلة وصولاً إلى بقية المراكز على كل الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فيتشكل (المجتمع الذكوري) من خلال هذه العلاقات المتشابكة ما بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وتصبح الأنثى مجرد عنصر (تابع) أو (خاضع) لهيمنة المذكر. وقد تكون أحد أبرز تجليات هذه الهيمنة السلطوية الذكورية وضع نصوص دستورية تعطي الأب، فقط، حق منح الجنسية لأولاده وحرمان الأم من هذا الحق. وهنا يتجلى بوضوح الدور السياسي الداعم للمجتمع الذكوري ومكرساً لهذا المفهوم الثقافي.

عند اندلاع نزاعات في بلد ما تحدث عملية نزوح، داخل الحدود الجيوسياسية للدولة، ولجوء، إلى خارج الحدود الجيوسياسية للدولة، بحثاً عن الأمن.

في ظل هذا الواقع النزاعي تزداد الضغوط على الأنثى وترتفع نسب تزويج القاصرات، سواء داخل البلد أو خارجه، أي مناطق النزوح واللجوء، وبخاصة إن كانت البلدان التي تم اللجوء إليها تشرعن تزويج القاصرات. وهذا ما يمكن لحظ حدوثه في لبنان.

ولمعرفة مدى الآثار السلبية لهذه الظاهرة المرضية، تزويج القاصرات، أتت الدراسة الميدانية حول (الزواج المبكر: أسبابه وآثاره ونتائجه السلبية على القاصرات اللبنانيات واللاجئات السوريات والفلسطينيات في لبنان) الصادرة عن جمعية مساواة – وردة بطرس للعمل النسائي ولجنة حقوق المرأة اللبنانية (تشرين الثاني 2020) من إعداد وإشراف سمير دياب. ومن أبرز ما جاء فيه:

في الفصل الأول: الزواج المبكر وفق الاتفاقات الدولية – أنظمة الأحوال الشخصية الطائفية في لبنان- التمييز بحق المرأة – وضع الزواج المبكر في ظل التشريعات المدنية في لبنان (القوانين الجزائية والمدنية)- في تطبيق القوانين وإلغاء التمييز – القانون المدني الموحد للأحوال الشخصية.          

الفصل الثاني: أسباب وآثار الزواج المبكر، وفيه: الإشكالية البحثية – الغطار والمراجع البحثية – المنهجية-  نتائج العمل الميداني وهذا المبحث يتضمن محاور أربعة في (المتغيرات الاجتماعية، وضع الأسرة، آراء المبحوثات والأهل، في عقود الزواج). الآثار النفسية والصحية والاجتماعية على القاصرات، مستويات وآليات التدخل للمعالجة، تقييم وتحليل.  

     الفصل الثالث: النتائج والتوصيات شملت الدراسة 300 حالة من حالات الزواج المبكر من خلال استبيان يشتمل على 60 سؤالاً. إضافة إلى لقاءات وجلسات متابعة لاكثر من 76% من المبحوثات. إضافة إلى جلسات مشتركة مع بعض أهل المبحوثات حسب توفر أو قبول ذلك.

استمر العمل على الدراسة مدة 6 أشهر (من حزيران لغاية تشرين الثاني 2019)، وشملت كافة المناطق اللبنانية. وقد توزعت النسب المئوية حسب مجتمع دراسة كالتالي: زواج القاصرات اللبنانيات 57,3%، زواج القاصرات من اللاجئات السوريات 30,7 %، زواج القاصرات من اللاجئات الفلسطينيات من سورية 12%.

ويمكن وصف هذه الدراسة بواحدة من أهم الدراسات حول هذه الظاهرة المرضية لأنها لم توصف الحالة فقط، بل وضعت حلولاً علمية لإمكانية معالجتها.

العدد 950 - 3/03/2021