أزمة بنيوية وليست أزمة من هو الرئيس!

طلال الإمام_ ستوكهولم:

تسمّر الملايين أمام مختلف وسائل الإعلام وهم يتابعون مشاهد الأحداث الدرامية لاقتحام متظاهرين مبنى الكونغرس الأمريكي في واشنطن بناء على دعوة ترامب، وذلك في محاولة لمنع الكونغرس من اتخاذ قرار الاعتراف بفوز بايدن في الانتخابات الرئاسية.

تفاوتت ردود الفعل بين مصفق، شامت، حزين، مستنكر أو خائف من النتائج خصوصاً بعد نزول الجيش.

أعتقد أن المسألة ليست من الذي فاز ترامب أم بادين، لأن الرئيس الأمريكي، بغض النظر عن الحزب الذي يمثله، عبارة عن واجهة لاحتكارات السلاح، والنفط وبيوت المال أو اللوبي الصهيوني. المسألة تتلخص أن هذه الحادثة كشفت عري نظام أمريكي بأكمله، وبشكل خاص ادعاءاته الديموقراطية. إن ما جرى يُبين وصول النظام الأمريكي إلى أزمة بنيوية ستتفاقم بأشكال مختلفة بغض النظر عمن يجلس في البيت الأبيض. مؤشرات هذه الأزمة بدأت منذ سنوات عبر تزايد أعداد العاطلين عن العمل، النزعات العنصرية ضد السود لانكماش الاقتصادي، وجاءت جائحة كورونا لتبيّن ثغرات النظام الصحي الأمريكي وعجزه.

الظاهرة الأهم هي انقسام المجتمع الأمريكي عمودياً. كان النظام الأمريكي يحاول دوماً خلق حروب ونزاعات إقليمية وعالمية، أو المساهمة فيها، في محاولة منه لصرف أنظار المواطن الأمريكي عن مشاكله الداخلية.. لكن هذه النزعة بدأت تتآكل منذ بروز أكثر من قطب عالمي (بعد أن كانت الولايات المتحدة القطب الأوحد عشرات السنين بعد انهيار المنظومة الاشتراكية) فقد عادت روسيا، والصين ودول البريكس إلى الساحة الدولية سياسياً، واقتصادياً وحتى عسكرياً بصورة أقوى. وبدأ مع هذه العودة تراجع الدور الأمريكي أو انكماشه إقليمياً وعالمياً. طبعاً ما ذكرناه لا يعني أبداً أن الولايات المتحدة لم تعد قوة اقتصادية وعسكرية عالمية على أكثر من صعيد.

 في الوقت ذاته فتحت هذه الحادثة الباب واسعاً أمام جملة من الإشارات والتساؤلات:

أولاً_ أليس من اللافت أن يحصل ترامب، هذا الأرعن، في الانتخابات الاخيرة على حوالي ٤٧ في المئة من أصوات الأمريكيين؟ كيف يمكن لهذا الرئيس البهلواني أن تكون بحوزته الأزرار النووية؟ أي خطر يشكله على السلم العالمي؟ (بعد انتخابه طالب البعض بإحالته إلى معالجة نفسية).

ثانياً_ لاحظ جميع المتابعين الهلع الذي أصاب أعضاء الكونغرس عندما اقتحم المتظاهرون المبنى، وكيف تم تهريبهم. بل إن بعضهم استخدم سلاحه الفردي إضافة إلى صور المتظاهرين في مكاتب الكونغرس في لوحة تشبه فيلماً هوليودياً.

ثالثاً_ وصف بايدن المتظاهرين السلميين باللصوص. النظام الأمريكي الذي يحاول أن يعطي الآخرين وصفات ديموقراطية لم يتحمل احتجاجاً سلمياً فاستعان بالجيش! لكنه يدعم إرهابيين في بلدان أخرى كما في سورية وغيرها، ويهدد دولاً مستقلة ويفرض عقوبات على شعوب.

باختصار شديد أعتقد أن ما يجري في الولايات المتحدة لا يتعلق بمن يتولى الرئاسة كما يبدو للوهلة الأولى، وإنما هو تعبير مكثف عن أزمة عميقة وبنيوية في النظام والمجتمع الأمريكي. النظام القائم استنفد فرص وجوده ولم يعد ينفعه محاولات الترقيع أو التلميع.

نؤكد في الوقت ذاته أن التغييرات البنيوية للنظام ليست بالسرعة التي يتمناها الكثيرون داخل الولايات المتحدة وخارجها، بفعل جرائمه بحق دول وشعوب، وإنما هي عملية تراكم كمّي، لا بدّ أن تؤدي إلى تغييرات نوعية.

السؤال: متى؟

نعم، لقد اهتزت صورة النظام الأمريكي الذي كان يتغنى بديموقراطيته (ديموقراطية رأس المال والاحتكارات) ويصدقه البعض قناعة أو تآمراً أو خوفاً.

أخيراً، أعتقد أن الامور ستتفاقم بأشكال مختلفة ومفتوحة على كل الاحتمالات، ولن تحل لمجرد وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض. هل تعرفون لماذا؟ لأن الـ(فوق) لم يعد بإمكانه الاستمرار في السيطرة كالسابق، والـ(تحت) ينفد صبره وتتراكم مشاكله.

فلننتظر ونرَ.

العدد 944 - 20/1/2021