كورونا وجهان ولكن ليس لعملة واحدة؟

د. صياح عزام:

بمقدار ما تركته جائحة كورونا من ضحايا وإصابات وخسائر مادية، وتدني الإنتاج بسبب الإغلاق، ازدادت مقابل ذلك أرباح المؤسسات والشركات العملاقة بشكل لافت للنظر وغير مسبوق، وبمعنى آخر، في الوقت الذي غرقت فيه دول بأكملها في أتون ديون ثقيلة ستفرض على عدة أجيال قادمة أن تعاني من تأثيراتها، كان هناك رابحون بسبب هذه الجائحة وتداعياتها.

إذاً، من هم المتأثرون من الجائحة أو لنقل من ضحاياها في العام 2020 المنصرم، ومن هم المستفيدون والرابحون من عام كورونا؟

بطبيعة الحال، الاقتصادات الهشة والناشئة كانت هي الأكثر تضرراً من الجائحة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، إن عدة دول عربية لجأت إلى صندوق النقد الدولي للاستدانة والحصول على مخصصات مالية إضافية لمواجهة الجائحة، ما يؤكد أن ضغوطاً اقتصادية هائلة واجهت هذه الدول ومنها مصر والمغرب وتونس والأردن وجنوب السودان، إذ حصلت مصر على 8 مليارات دولار، والمغرب على 3 مليارات، والأردن على 1.7 مليار، وجنوب السودان على 52 مليون دولار.

وتأثرت أيضاً دول عربية غير نفطية بشكل كبير بسبب توقف قطاعات مهمة منها النقل والسياحة التي تعد دول مثل المغرب ومصر وتونسي أقطاباً تنافسية عالمية فيها، وقد كان من الطبيعي أن تسجل هذه الدول تراجعات كبرى في مداخيلها بسبب إجراءات الحجر الصحي المحلي أو الدولي، ما جعل قطاع السياحة مثلاً يتكبد خسائر باهظة، إلى جانب تراجع كبير في الصناعات التصديرية الرافدة للدخل العام من جهة أخرى.

لهذا لجأت هذه الدول إلى صندوق النقد الدولي كما أشرنا قبل قليل للتخفيف من المخاطر الاقتصادية التي يمكن أن تؤدي إلى تأثيرات اجتماعية خطيرة خاصة مع اضطرار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى الإغلاق وتسريح عمالها.

وعلى سبيل المثال شهدت تونس إحالة نحو 300 ألف عامل إلى البطالة بسبب الجائحة وتداعياتها الصعبة.

حتى الدول الكبرى في العالم لم تسلم من تأثيرات الجائحة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، فالولايات المتحدة الأمريكية صوتت على مشروع قانون لضخ 900 مليار دولار لمساعدات اجتماعية تقدم لمتضرري الوباء في ظل تزايد الضحايا والإصابات، كذلك لم تسلم أوربا من مثل هذه الأضرار الاقتصادية والاجتماعية الخطرة لكورونا عام 2020، ولجأت إلى رصد مخصصات مالية للمساعدة في هذا المجال.

هذا هو الوجه القبيح لسنة 2020 الصعبة، ولكن بالمقابل كان لهذه السنة وجه مشرق (إن صح التعبير) لمن حققوا وجنوا ثروات وأرباحاً طائلة وقياسية كما أشارت مجلة فوريس عندما ذكرت في أحد أعدادها مؤخراً أن أكثر من 2200 ملياردير في العالم حصلوا على 1.9 تريليون دولار، فازداد ثراؤهم في عام 2020 المنصرم ووصلت ثروة أثرياء العالم حسب إحصائية المجلة المذكورة إلى نحو 11.4 تريليون دولار.

وهذا يعني حسب ما تقدم من معلومات أن الجائحة لم تكن شراً بالنسبة لأثرياء العالم، بل على العكس من ذلك، كانت فرصة ذهبية لهم واستثنائية لجني أرباح خيالية وفلكية وتكديسها، لم تكن بالأساس في دائرة توقعاتهم، بل لم يكونوا يحلمون بها قبل انتشار هذا الوباء على صعيد العالم بأسره والتداعيات الخطيرة التي نتجت عنه على كل الصعد الاقتصادية والاجتماعية والمالية والصحية وغيرها.

أخيراً، بالطبع هذا الأمر يترتب عليه طرح أكثر من سؤال حول مستقبل العلاقات الدولية بعد أن ينقشع غبار جائحة كورونا خاصة في ظل اتساع الهوة أو الفارق المخيف بين عالمي الأثرياء الذين تربعوا على عرض الثروات العالمية، والفقراء الذين يعانون من الفقر والجوع الحرمان.

العدد 943 - 13/1/2021