رائعة (الأطلال) تحت الضوء.. تعرّف على أسرار سحرها!

يارا بالي:

لم يكن الفن يوماً إلا نبضاً حقيقياً ينبع من وجدان المبدع، ليصل إلى وجدان المتلقي بلا استئذان، نبضاً يعكس ما في القلب من أحاسيس على اختلافها، فكل عملٍ فنيٍّ عظيم هو نتاج عظماء، تعاونوا فأثمر التعاون فناً آسراً، و(الأطلال) قصيدة سحرت الملايين، كتبها إبراهيم ناجي، الطبيب الشاعر، وهي قصيدة طويلة وصفت لذلك بالملحمة، جاءت في ديوان (ليالي القاهرة). أما ما غنته كوكب الشرق أم كلثوم منها وهو أشدها سحراً، فأبياتٌ مصطفاة بدأتها بمطلع الأطلال:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى… كان صرحاً من خيالٍ فهوى

وأنهتها بالمقطع التاسع والعشرين كله:

يا حبيبي كلُّ شيء بقضاء… ما بأيدينا خُلقنا تعساء

ربما تجمعنا أقدارنا… ذات يومٍ بعدما عزَّ اللقاء

فإذا أنكر خلٌّ خلَّه… وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كلٌّ إلى غايته… لا تقل شئنا فإن الحظ شاء!

فسحرُ الوصفِ فيها يأخذنا إلى القصة الملهمة لهذه الكلمات: القصة التي بدأت منذ كان الشاعر إبراهيم ناجي صغيراً يعيش في كنف أسرته، في حيٍّ يدعى (شبرا الصغرى)، وكان بجوارهم في الحي منزلٌ لأحد الأقارب، وقد كانت تربطهم بهذه الأسرة علاقة ودٍّ، وكان لهم ابنة تماثل إبراهيم في السن، فنشأت بينهما بذور حبّ إلى جانب صلة القرابة، وبدأت عاطفة الشاعر تتحرك بشيءٍ لم يدركه آنذاك، كما بدأت ملكة الشعر تثمرُ في وجدانه، فنطق بالشعر وهو في سن العاشرة، وقد وعدته هي باستمرار الوصال؛ وبأنه سينتهي بالرباط الوثيق المقدّس (الزواج) بينهما، حتّى تأصل هذا الحبّ في فؤاده، وأصبح يتمثل فيه الوجود كله، وتعاهدا أن يكون أحدهما للآخر في حياةٍ سعيدة. فلمّا وصل إلى مرحلة الدراسة في مدرسة الطب؛ أبت الانتظار حتّى يتمّم دراسته، وحقّرت عهده، وتزوّجت غيره، وظلّ هو على حبه العفيف الّذي لازمه طوال حياته، وكلما مرّت به فرصة حبٍّ أو إعجاب بامرأة ثانية كان يتمثل فيها فتاة حبه الأوّل، الّتي سمّاها (زهرة المستحيل). وبعد كل هذا الحبّ، كتب فيها قصيدته الأرقّ والأجمل (الأطلال) وطلب من كوكب الشرق أم كلثوم أن تغنيها، إلا أنها غنّتها بعد وفاته بثلاثة عشر عاماً، وقام بتلحينها الموسيقار (رياض السنباطي) كما قام الشاعر (أحمد رامي) بتبديل بعض كلمات القصيدة مثل (يا فؤادي لا تسل أين الهوى) وهي في الأصل (يا فؤادي رحم الله الهوى). وأيضاً وضع سبعة أبيات من قصيدة (الوداع) من ديوان (وراء الغمام) للشاعر إبراهيم ناجي نفسه، بدايةً من بيت (هل رأى الحبّ سكارى مثلنا) حتّى بيت (وإذا الأحباب كل في طريق).

فعلى الرغم من مرور الكثير من الحسناوات في حياة الشاعر من ممثلات وشاعرات وغيرهن بقي طيف المحبوبة الأولى، جارة الطفولة و(العمر الهني) رفيقه الدائم، وبوصلته الآمنة إذا تاه الدرب، وهبّت نسائم الحنين.. فكانت (الأطلال) يتيمة هذا الحبّ وخالدته. ومما قاله في فتاته في غير (الأطلال):

يا شطر نفسي وغرامي الوحيد… يا من رأت حزني العميق البعيد

ما شئت يا ليلاي لا ما أريد… داويتِ لي جرحي بجرحٍ جديد.

وهكذا بقيت ملهمة الأطلال سراً لم يذعه إبراهيم ناجي طوال حياته، فقد صان الحبّ والوعد، وحافظ على فتاته حتّى بجرحه، ولم يذكر اسمها أبداً؛ لأنّها كانت أنثى متزوجة. وهنا لابد أن نذكر أنّ الشاعر بعد أن أنهى ديوانه (ليالي القاهرة) قام بإهدائه لفتاته رامزاً إليها بـ (ع. م) فقال: إلى صديقي ع. م الّذي ندّى الزاهر الذابل من خمائل الماضي، وأنبت في روض الحاضر زهوراً ندية مخضّلة بالأمل والحياة، إليه أقدّم ما أوحى به إليّ.

 وما تزال ملحمة الأطلال أيقونة الحبّ الأرقى، تنهل منها الأجيال أسمى صور العشق والوفاء.

العدد 943 - 13/1/2021