تنفيس

محمود هلال:

يكظم المواطن عندنا غيظه وغضبه طيلة اليوم، لأنه يمضي أيامه مهموماً ومغموماً من كثرة مشاكل الحياة وصعوباتها، وذلك في سبيل تأمين المتطلبات الأساسية ليعيش حالة أشبه بالحياة مع أسرته وأولاده، فيركض طوال النهار دون كلل ولا ملل مؤثراً الصمت على الكلام كي لا يصطدم مع الآخرين، على أمل أن يأتي الليل فيريحه من هموم النهار. لكن هيهات تأتيه كوابيس الليل عندما يفكر في اليوم التالي، وهكذا يتكدس الغضب في داخله من جديد، والسؤال كيف يخفف عن نفسه (وبماذا يفشّ خلقه؟).

ولماذا كلما غضبنا ثرنا كالبراكين الخامدة منذ سنين فنقذف بحممنا الحارقة حتى تهدأ ثورتنا؟ وهل يكون ذلك نتيجة كبت الأشياء والغيظ في داخلنا وعدم البوح بمشاكلنا وبنواقصنا، بانفعالاتنا وانزعاجاتنا في حينها، فتتراكم وتثور من جديد؟ أم أن الغضب يكون نتيجة لحالة انفعالية أو حساسية مفرطة تجاه قضية ما، أو نتيجة مواجهة المشكلات اليومية وصعوبة الحياة والقلق وعدم الاستقرار النفسي والخيبات والصدمات، إذ حولت الإنسان إلى كائن مهموم متوتر الأعصاب مشغول البال، يغضب لأبسط الأمور ويحتاج إلى (تنفيس)!

وهناك الكثير من الخيبات والصدمات التي يتلقاها المواطن يومياً تستحق الغضب، فمن الطبيعي أن يغضب في هذا البرد الكانوني، وذلك لأنه لا يحصل على مازوت التدفئة لهذا العام وهو ينتظر أن يوزع له 100 ليتر مازوت من شتاء العام الماضي، وإلى الآن لا توزع مستحقاته من المازوت لهذا العام، وطبيعي أن يغضب أيضاً وهو ينتظر 80 يوماً أو أكثر لوصول رسالة الغاز، أو بعد انقطاع الكهرباء لـ 6 ساعات أحياناً، وطبيعي أن تبدأ ثورة الغضب عنده من بداية الشهر، بعد أن يوزع راتبه على الدائنين، وطبيعي أن يغضب بعد هذا الغلاء الفاحش لأسعار اللحوم والخضراوات وغيرها من السلع الأساسية، ويصل به الأمر أن يشتهي أكلة بطاطا.

لقد تحمّل المواطن عبء الأزمات وصمد وصبر على الفقر وعلى الجوع والحرمان لسنوات، وأتخم بالوعود على أن القادم أفضل وأحلى والصبر مفتاح الفرج، لكنه ملّ الصبر ولم تفرج أزمته (وللصبر حدود!)، فمن الطبيعي أن يغضب ويبحث عن (فشّة خلق) تخفف عنه وتمنعه من الانفجار.

كل ذلك يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل الغضب نعمة أم نقمة؟ أعتقد أن الغضب نادراً ما يكون نعمة، لأنه ما معنى أن يكون الرجل في حالة غضب؟ وماذا ستكون نتائج انعكاسات غضبه على زوجته وأولاده؟ وما طعم هذه الحياة التي سيعيشونها معاً؟ قد يقوم الغاضب بأفعال يندم عليها لكن بعد فوات الأوان، كأن يضرب زوجته أو يطلقها، أو يضرب أولاده، أو يكسر أثاث المنزل، أو يؤذي نفسه، وذلك بما معناه (فشّة خلق)، وكذلك المرأة، عندما تغضب قد تقوم بأعمال لا تحمد عقباها لـ (تفشّ خلقها)، كأن تترك بيتها أو تطلب الطلاق بسبب المشاكل والخلافات الزوجية، وكما يقال (فشّة الخلق قد تخرب البيت).

وعلى ذكر (فشّة الخلق) شاهدت على إحدى المحطات التلفزيونية فقرات لبرنامج كوميدي، وهي فقرة بعنوان (فشّة خلق) ملخصها أنه أصبح هناك شركات متخصصة تقوم بإرسال مندوبيها إلى المنازل ليفش أصحاب المنازل خلقهم بهذا المندوب مقابل 10 دولارات في الساعة، فيقومون بعضّه ورفسه وشتمه وشد شعره وكل ما يحلو لهم خلال هذه الساعة، فهل تتوفر مثل هذه الخدمة المنزلية مجاناً عندنا قريباً لأننا حتى هذه الخدمة غير قادرين على تأمين ثمنها، وبذلك (نفش خلقنا) ونلجم غضبنا دون أن نخرب بيوتنا؟

العدد 944 - 20/1/2021