الفورة القمحية

الدكتور سنان علي ديب:

أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي، فبعض العلاجات ولو جاءت متأخرة قد تحلّ مشاكل وتقضي على المرض الذي كنا نعتقده مزمناً، لكنه يظهر طبيعياً عارضاً يمكن الإحاطة به، هذا لا يخرج عن الإطار الهامشي الذي كنا ننقد ونشخص ونطالب بالعمل الجاد لتجاوز الخلل وهو كثير ومنتشر أفقياً وعمودياً. وما نحن بصدده هو الدعوة إلى زراعة المساحات الصغيرة بالقمح لتأمين المستلزمات المحتاجة، والمقدرة بمليون طن للخبز، و٣٦٠ للبذور و٦٠٠ ألف للكعك والمعكرونة، هذه الكميات التي نضطر لاستيراد جزء منها يكلفنا عملة صعبة قد نحتاجها لضروريات أخرى.

منذ بدء الحرب المعقدة والتوقع بتكثيف الهجوم الإرهابي الاقتصادي على البلد، نادينا كثيراً بالترويج وتشجيع الزراعات المنزلية المحلية وبطرق مختلفة، لتخفيف الأعباء عن الحكومة وتأمين الضروريات وحتى تحقيق الفوائض، ما دامت تتوفر كل الإمكانات والسبل، لكن للأسف الاستجابة كانت ضعيفة والتشجيع خجولاً، حتى أتى وزير الزراعة الحالي يدعو وينادي ويشجع زراعة المساحات الصغيرة واستثمارها بالقمح، وهو ما قد يكون علاجاً لصعوبة تأمينه من المناطق غير المسيطر عليها، وكلنا سمعنا عن حجم الخسارة التي أصابت المحصول في أحد أماكن التخزين بالحسكة نتيجة الهدر والسرقة وسوء التخزين وصعوبة جلبها لأماكن الحاجة، وكذلك ضياع ٥٠٠ طن في أحد الموانئ، وكنا نسمع سابقاً بحرق الحقول بانتشار أفقي كبير و بكميات كبيرة، وكله من أجل إنجاح التفقير الاقتصادي لفرض أجندات سياسية لا تناسب البلد ولا يوافق عليها الشعب، بما يقوض التضحيات والدماء و الصبر والصمود الشعبي.

ومثلما توقعنا، فالإرهاب الاقتصادي أخطر وأصعب من العسكري المواجه من المؤسسة العسكرية والمنضبط لتوفر القوة والإرادة.

ويكون وقع العقوبات والحصار والترهل والتراخي أكبر وأصعب، وهو ما نجده من معاناة أغلب الشعب في ظل أزمات متكررة نتيجة الخنق الاقتصادي وصعوبة تأمين المواد، ومنها أزمة الانتظار الطويل لتأمين الخبز وفوضى الأسعار.

وهذا ما يجعلنا نعرج على ما نقل عن لسان الوزير ولكنه لاحقاً كذب الموضوع، علماً أنه كذلك قد يكون ذو فائدة إن أمنت أدوات إنجاحه وهو تأمين الخبز بالأرياف عن طريق الخبز الذاتي المنزلي أو عدة منازل كالتنور والصاج وغيره، هذا الطرح لاقى تصدياً فيسبوكياً ونوعاً من الامتعاض، بحجة عدم توفر المواد. وحسب ظني بأن انعدام الثقة بين المواطن والمسؤولين نتيجة المعاناة والظروف ونتيجة تصريحات كانت بعيدة عن الواقع هي أهم أسباب الامتعاضات المتلاحقة، التي لن تخف إلا بتخفيف معاناتهم عبر تحسين مستوى المعيشة والعدالة بتأمين المواد والإحاطة بالفساد المعرقل لأي حلول وصانع السوق السوداء لكل المواد.

المهم الفورة القمحية حاجة وضرورة جاءت متأخرة، ونحن في أحلك الظروف وبدء العمل لها وننتظر فورات ونوايا حسنة وجهوداً مثمرة كثيرة لتجاوز صعوبات الحياة ومواجهة العقوبات والحصار وأدوات الفوضى السعرية واللاعبة بلقمة عيش الشعب.

العدد 943 - 13/1/2021