التهريب والصناعة

فؤاد اللحام:

على الرغم من إعلان الحكومة في شباط 2019 خريطة طريق متكاملة المهام والمسؤوليات، لإعلان سورية دولة خالية من المواد المهرّبة، في مدى زمني أقصاه نهاية ذلك العام. وعلى الرغم من حملات المداهمة والتفتيش التي شملت آنذاك حتى المستودعات والمحلات، وأثارت انتقادات واسعة من أصحابها، ومطالبتهم بحصر معالجة موضوع التهريب على المنافذ الحدودية، وعلى الرغم من إعلان الآمر العام للضابطة الجمركية أن عدد القضايا المحققة منذ بدء حملة مكافحة التهريب لغاية النصف الأول من عام 2019 بلغ نحو 970 قضية، بقيمة غرامات تتجاوز 4٫4 مليارات ليرة. وتنظيم إدارة الجمارك 943 قضية تهريب منذ بداية عام 2020 لغاية شهر تموز منه، ما تزال عملية التهريب مستمرة بالاتجاهين، ووصلت إلى حد التزوير ووضع لصاقات تفيد بأن المنتج المهرّب (ملابس مثلاً) هو إنتاج سوري. كما وصلت، حسب إعلان الجمارك، إلى ضبط قاطرتين محملتين بقصات سيارات مستعملة يشكل تجميعها نحو 15 سيارة متكاملة.

من الواضح أن حجم التهريب طوال سنوات الأزمة قد ازداد بشكل واضح عما كان عليه سابقاً، لعدّة أسباب، في مقدمتها الحصار الداخلي والخارجي، وبروز أفراد ومجموعات تمارس هذه العمليات أو تتستّر عليها بشكل واضح ومعروف. مع الإشارة إلى وجود نوع آخر من التهريب واستمراره، وهو يتضمن التلاعب بالكميات والقيم والتصانيف المتعلقة بالمواد المدرجة في بيانات المواد المستوردة نظامياً.

الإعلان رسمياً أن الصادرات التركية الرسمية إلى سورية عام 2019 بلغت 1.6 مليار دولار، في الوقت الذي كانت قيمة هذه الصادرات في ذروة التقارب السوري التركي قبل الأزمة لا تتجاوز 1.8 مليار دولار، وفي ظل القرار الحكومي بوقف الاستيراد من تركيا، فإن هذه الأرقام تؤكد حجم التهريب الذي يغطي كل المناطق السورية. وهو ما أدى وما يزال إلى نتائج سلبية عديدة سواء على مستوى الاقتصاد الوطني أو على مستوى الصناعة الوطنية. إذ أضرّ بالمنتجات الصناعية المحلية ونافسها من حيث السعر في ظل ارتفاع تكاليف إنتاجها، وهدّد بإغلاق العديد من المنشآت الصناعية المحلية نتيجة عدم قدرتها على منافسة المنتج المهرب. وذلك في الوقت نفسه الذي يفقد الخزينة العامة موارد هامة من الرسوم الجمركية المفروضة على السلع النهائية المستوردة، ويزيد الطلب غير النظامي على القطع الأجنبي ما يؤثر سلباً على سعر صرف العملة المحلية. كما أنه يحمل مخاطر صحية عديدة نتيجة عدم خضوع المواد المهربة للاختبارات المطلوبة. مكافحة التهريب الجادة والفعالة يجب ألا تقتصر فقط على التفتيش والمداهمات والتدقيق والفحص، بل من المفيد والضروري أيضاً النظر في أسباب اللجوء للتهريب، سواء لمن يقوم به أو لمن يستفيد منه. لأن معالجة هذه الأسباب قد لا تنجح في المعالجة الآنية لهذه المشكلة، لكنها قد تحدّ منها جزئياً في المرحلة الراهنة وبشكل أكبر في المستقبل.

عدم توفر المادة والنوعية والسعر هي أهمّ أسباب الطلب على المواد المهرّبة، وتمكينُ الصناعة الوطنية بمنشآتها الصغيرة والمتوسطة والكبيرة من خلال الإجراءات الحكومية الفعالة في هذا التوجه عنصرٌ هامّ في تلبية هذه المتطلبات، وبذلك تتمكن الصناعة السورية ليس من البقاء والصمود وحسب، بل من تحويل نقاط الضعف التي تشجع التهريب إلى نقطة قوة تحدّ بشكل متدرج ومتسارع منه. مع عدم إغفال معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل بيئة مشجعة على هذا النشاط وخاصة في المناطق الحدودية.

العدد 944 - 20/1/2021