كلمة الرفيق نجم الدين الخريط / الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد في مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية شرقي المتوسط الذي عقد تحت عنوان (تأكيد تضامننا الثابت مع الشعب الفلسطيني وحول التطورات في سورية والمنطقة)

بدعوة من الحزب الشيوعي اليوناني عقد (عبر الزوم) مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية شرقي المتوسط تحت عنوان (تأكيد تضامننا الثابت مع الشعب الفلسطيني وحول التطورات في سورية والمنطقة)، وقد شارك فيه عدد من قادة الأحزاب الشيوعية واليسارية شرقي المتوسط. وشارك حزبنا بعدد من الرفاق في هذا المؤتمر، وألقى الرفيق الأمين العام للحزب الكلمة التالية:

الرفاق الأعزاء؛

   اسمحوا لي أن أحييكم باسم الحزب الشيوعي السوري الموحد، وأن أشكر قيادة الحزب الشيوعي اليوناني لتنظيم عقد هذا المؤتمر، لتأكيد تضامننا الثابت مع الشعب الفلسطيني وحول التطورات في سورية والمنطقة.

إن عقد هذا المؤتمر يأتي في إطار تنفيذ قرار الاجتماع العالمي الاستثنائي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي عقد بدمشق في أيلول 2009 باستضافة حزبنا (الحزب الشيوعي السوري الموحد). فقد أقر الاجتماع اعتبار يوم 29 تشرين الثاني من كل عام يوماً للتضامن مع الشعب الفلسطيني، تنظم فيه مختلف الفعاليات والأنشطة لتأكيد تضامن الأحزاب الشيوعية والعمالية مع الشعب الفلسطيني، في نضاله المستمر من أجل حقوقه المشروعة في العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

الرفاق الأعزاء

يأتي انعقاد هذا المؤتمر اليوم في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد:

فعلى الصعيد العالمي لابد من الإشارة إلى:

زيادة حدّة التناقضات الأساسية:

          • بين الإمبريالية العالمية وجميع شعوب العالم.

          • بين كلٍّ من حكومات الأنظمة الرأسمالية من جهة، والجماهير والطبقات الكادحة في بلدانها من جهة أخرى، وزادت أيضاً الاحتجاجات الشعبية داخل الدول الرأسمالية.

          • بين المراكز الإمبريالية العالمية، والتجمّعات السياسية والاقتصادية الإقليمية والعالمية التي برزت في مواجهتها.

          • زادت مديونية الدولة في الدول الرأسمالية، وبرزت ظواهر دخول النظام الرأسمالي في أزمة اقتصادية حادّة.

ازداد الاختلال في منظومة العلاقات الدولية، وأزمة الثقة بين الدول وحدّة التوتّر، وتجلّى ذلك بأشكال مختلفة، من حروبٍ تجارية واقتصادية ودبلوماسية وإعلامية، والعودة إلى سباق التسلّح وإلى توتّرات وحشود عسكرية في البرّ والبحر، وصلت إلى حدّ المعارك الحربية (أرمينيا_ أذربيجان)، وإلى خلافاتٍ جدّية وصلت إلى القطيعة بين دول تنتمي إلى حلفٍ واحد (دول الناتو).. وكلّ ذلك بسبب تبنّي الإدارة الأمريكية، والدول الدائرة في فلكها، سياسة الحرب الدائمة سواء المباشرة أو بالوكالة، بهدف استمرار هيمنتها كقطب وحيد على السياسة والاقتصاد الدوليين، وكأن زعماء أمريكا لم يدركوا حتى الآن أن تعدّدية الأقطاب صارت واقعاً سياسياً جديداً، ولا يستطيع أحد أن يغيّر هذا الواقع. ورغم ذلك يسعى قادة أمريكا إلى إطالة عمر زعامتها، من خلال زيادة تدخلها في الشؤون الداخلية للبلدان والأقاليم الأخرى، عسى أن تتبدل الأحوال وتنشر الفوضى، وتُخضع لنفوذها فضاءات جيوسياسية جديدة، مستخدمين لذلك كلّ الوسائل والأساليب.

وكذلك تزداد حدة التناقضات والصراعات في منطقتنا بين قطب حلف الولايات المتحدة من جهة، وقطب المقاومة لمشاريع الولايات المتحدة وسياستها من جهة أخرى.

ويحتدم الصراع بين هذين القطبين حول مستقبل المنطقة.

وأخطر ما حدث خلال هذه الفترة هو البدء بالتنفيذ العملي لما سمّي بـ(صفقة القرن)، فبعد أن أعلن ترامب موافقته على جعل القدس عاصمةً للكيان الصهيوني وضمّ الجولان، تبعها إعلان الإمارات ثم البحرين التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني.

بلا شكّ، إن ما جرى ويجري ليس تطبيعاً فقط مع عدوّ محتلّ، بل هو بناء حلف يستهدف الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وإيران، واعترافٌ بالنوايا التوسعية الصهيونية.

لقد أدان حزبنا كلّ اتفاقيات التطبيع بين دول عربية والكيان الصهيوني، وحذّر من انجراف أنظمة عربية أخرى إلى مربّع الذلّ والهوان، وأكد الحزب أن القضية الفلسطينية ما تزال القضية المركزية للشعوب العربية، وأن صفقة القرن تستهدف ليس فقط تصفية حق الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة وتقرير المصير، بل تستهدف أيضاً دول المنطقة ومصالح شعوبها.

فالخطر يهدّد الجميع، ما يعني أن قوى التحرر العربية والديمقراطية واليسارية هي الأخرى معنيّة بالانخراط في المعركة ضد المشروع الأمريكي-الصهيوني، ليس من موقع التضامن مع الشعب الفلسطيني فقط، بل أيضاً من موقع القيام بالدور النضالي المطلوب منها في إطارها القطري، دفاعاً عن وحدة أراضيها ومجتمعاتها، ودفاعاً عن استقلال دولها وسيادتها ومصالح شعوبها، وذلك باستخدام كل الوسائل المشروعة في مواجهة هذا المشروع الأمريكي-الصهيوني. ومن هذا المنطلق يرى الحزب أن المشروع البديل هو المقاومة؛ مقاومة العدو وتحرير جميع الأراضي المحتلة، وإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

الحدث الثاني الهام والخطير، والذي لا يمكن فصله عن كل ما يجري في المنطقة وخاصة مسألة (صفقة القرن) والتطبيع مع الكيان الصهيوني، هو انفجار مرفأ بيروت.

لقد أدى الانفجار إلى كارثة إنسانية واقتصادية واجتماعية ضخمة، وترك آثاراً كبيرة على كل الوضع اللبناني، والوضع الإقليمي. ومما لاشكّ فيه أنّ لهذه الجريمة النكراء أهدافاً جيوسياسية تتجاوز حدود لبنان، إضافة إلى خلط الأوراق، وإعادة ترتيب الوضع في لبنان بما يخدم المصالح الغربية، من خلال إثارة النعرات الطائفية والمناطقية، وإدخال لبنان والمنطقة في صراعات وخلافات جديدة، بهدف تعديل موازين القوى بين أطراف السلطة اللبنانية لخدمة المشاريع الخارجية، وضرب المقاومة وإقصائها.

وفي تطورات ومستجدات الوضع السوري

   لا نبالغ إذا قلنا إن المرحلتين الحالية والقادمة، اللتين تواجههما بلادنا، هما الأخطر بكلّ المقاييس، منذ تكوّن الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وستشكّلان منعطفاً سيمارس تأثيره على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ففي الوضع الميداني، ما زالت البؤر، التي تسيطر عليها التنظيمات الإرهابية بمساعدة الأمريكيين والأتراك في إدلب وعفرين والحدود الأردنية، تشكل العائق الأساسي أمام انتهاء الحرب العسكرية على الأرض السورية، ومازال الاحتلالان التركي والأمريكي يدنّسان تراب الوطن، وما زال القسم الأعظم من منطقة شرق الفرات والجزيرة السورية خارج سيطرة الدولة، ولذلك فإن أغلب حقول النفط والغاز ومراكز الزراعات الاستراتيجية تحت سيطرة (قسد) المدعومة والمغطاة من الاحتلال الأمريكي، المرفوض شعبياً وقانونياً، إضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة بقصف مواقع متعددة داخل الأراضي السورية.

أما على مستوى الجهود السياسية الدولية للتسوية السلمية لحل الأزمة السورية، فتُطرح سيناريوهات عديدة، وبلا شك فإن كل سيناريو مرتبط برؤية الدولة التي تطرحه وموقفها ومصالحها، وقد ظهر جلياً صعوبة التوفيق بين مصالح جميع الدول المتداخلة في الأزمة السورية دون تنازل الأطراف فيما بينها.

من هنا يؤكد حزبنا، الذي سبق أن طالب وما زال، أنّه يدعم جهود التسوية السياسية، لقناعته بأنه لابدّ من التوصل إلى حلٍّ سياسي (يضمن استقلال الدولة السورية ووحدتها أرضاً وشعباً، في مواجهة جميع محاولات التفرقة أو التقسيم على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية، ويضمن أيضاً حق المواطنين السوريين في اختيار نظامهم السياسي وقادتهم، بالاستناد إلى دستور ديمقراطي).

من هذا المنطلق نؤكد موقفنا الثابت الذي يتجلى في:

          • النضال من أجل تحرير جميع الأراضي السورية المحتلة، سواء من الكيان الصهيوني أو من القوات الأمريكية وحلفائها، أم من تركيا العثمانية، أم من العصابات الإرهابية الأخرى.

          • الاستمرار في مكافحة الإرهاب بمختلف صوره، والتصدي لأي نوع من مخاطر تقسيم الوطن أو تجزئته أرضاً وشعباً، وبسط سيطرة الدولة على جميع الأراضي السورية، وبضمنها الجولان السوري المحتل ولواء إسكندرون، والعمل لاستعادتها بكلّ الوسائل الممكنة.

          • معالجة القضايا المتعلقة بحياة الجماهير الشعبية، وتأمين مستلزمات الحياة الكريمة لأبناء شعبنا.

          • إجراء تغيير عميق في بنية النظام السياسي، بغية الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية، تعددية، علمانية، وتقدمية؛ تقوم على أساس المواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

مرةً أخرى نتوجه بالشكر الجزيل للرفاق في الحزب الشيوعي اليوناني

ولكم أطيب التحيات.

العدد 944 - 20/1/2021