هل لا يزال التكامل التنموي الاقتصادي العربي مطلباً ضرورياً؟!

د. منير الحمش / (رئيس الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية):

عندما صدر العدد الأول من (المستقبل العربي) في أيار (مايو) 1978، كان ما يشغل الفكر الاقتصادي العربي هو الإجابة عن السؤال التالي:

كيف يمكن تفعيل الاتجاهات الخاصة بعمليتي التنمية والتكامل الاقتصادي، اللتين رُبط بينهما بتعبير (التكامل التنموي)؟ وكيف يمكن استخدام أموال النفط العربي من أجل هذه القضية؟

ودارت معظم الكتابات والبحوث الاقتصادية حول هذا الموضوع، وانتقل الاهتمام به أيضاً إلى الأوساط الرسمية في الدول العربية، وإلى الجامعة العربية ومؤسساتها ومجالسها ولجانها. وحظيت الكتابات في (المستقبل العربي) بجانب هام من هذه الكتابات والبحوث منذ صدور العدد الأول.

وكان الوسط الشعبي العربي مهتماً بهذا الموضوع، خاصة بعد أن ساد نوع من التفاؤل في أجواء فرضتها حرب 1973، حين استُخدم سلاح النفط لأول مرة، مما كان له أثرٌ شديد الوطأة على الاقتصاد العالمي، وفي الوقت ذاته توفر لدى الدول العربية المصدّرة للنفط (فوائض مالية) هامة بعد ارتفاع سعر النفط الذي سببته تلك الحرب، إلى جانب عوامل أخرى.

وكان من النتائج الاقتصادية لذلك: تخصيص الدول النفطية معونات سنوية لدول المواجهة العربية. وما رافق ذلك من تدفق أموال من العاملين العرب في الدول النفطية بعد التوسع الحاصل في اقتصاداتها، وحاجتها للأيدي العاملة الموجودة فعلاً في البلدان العربية المصدرة للعمالة كمصر والسودان والأردن ولبنان وسورية.

ومع التوسع في إحداث المؤسسات الاقتصادية والمالية العربية، في إطار جامعة الدول العربية، كالصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وصندوق النقد العربي، والاتحادات التي تغطي جانباً هاماً من جوانب العملية الاقتصادية، أُحدث أيضاً المعهد العربي للتخطيط، وازداد الاهتمام بالجوانب النظرية للعمل العربي المشترك، وكان من بين هذه الجوانب مسألة التكامل الاقتصادي العربي وارتباط ذلك بالتنمية العربية.

وقد انتقل الاهتمام بالجانب الاقتصادي إلى أعلى مستويات السلطة في البلدان العربية، فعُقد في عمان (مؤتمر القمة العربية) عام 1980، وهو أول مؤتمر اقتصادي بهذا المستوى يعقد لمعالجة القضايا الاقتصادية، وجرى فيه الربط لأول مرة بين الجانبين الاقتصادي والسياسي على نحو واضح، من خلال إيجاد القواسم المشتركة ما بين الأمن القومي والإنماء الاقتصادي، كما جرى التأكيد على مبدأ التخطيط القومي كأسلوب لتوجيه وتنظيم العمل العربي المشترك ضمن تصور شمولي تنموي مترابط ومتكامل، وذلك من خلال إقرار المؤتمر لأربع وثائق أساسية وهي:

1 – وثيقة استراتيجية العمل العربي المشترك، بأهدافها وأولوياتها وبرامجها.

2 – ميثاق العمل الاقتصادي القومي.

3 – عقد التنمية العربية المشتركة (وخصّص له مبالغ كبيرة).

4 – الاتفاقية العربية الموحدة للاستثمار.

واتفقت آراء النخب الاقتصاديين العرب، على أن هذه الوثائق تكفل لدى تنفيذها نجاح مسيرة العمل العربي المشترك، ومن شأنها خلق المناخ والإطار الملائم لتطويرها وإبعادها عن الهزات السياسية والخلافات الطارئة، إلا أن المحذور قد وقع، فقد اتجهت الدوائر الرسمية في البلدان العربية نحو توجهات أخرى تنسجم وتتوافق مع الإرادة الغربية والصهيوأمريكية، فأُحدث في بداية ثمانينيات القرن الماضي المجلس الاتحادي والخليجي، كما أُحدث في نهاية الثمانينيات الاتحاد المغربي، واتجهت مصر والأردن والعراق وتالياً مصر والأردن وتونس والمغرب إلى إيجاد نوع آخر من الترابط، كما ازداد التوجه المصري نحو إفريقيا، مع الحرص على علاقات وثيقة مع دول الخليج. وبقيت وثائق القمة والاتفاقات الاقتصادية المختلفة في دهاليز جامعة الدول العربية ومنظماتها المحكومة بالروتين والبيروقراطية، وطغى عليها النسيان.

ولذا، سادت الأوساط الأكاديمية الاقتصادية والسياسية، أسئلة كثيرة حول أسباب الإخفاق في تحقيق أي مستوى مقبول من مستويات التكامل الاقتصادي والتنموي العربي، رغم القرارات والمواثيق العديدة التي أصدرتها جامعة الدول العربية ومجالسها المختلفة، وبالتحديد فقد ساد هذه الأوساط سؤالٌ مركزي حول أسباب عجز القرارات والمواثيق (العربية)، أمام (جبروت) الهياكل القطرية المتمترسة خلف شعارات زائفة حول السيادة الوطنية، وأمام البيروقراطية الحكومية والفساد التي طالما وقفت حائلاً دون تنفيذ الاتفاقيات العربية، في حين (تهرول) لاهثة من أجل تنفيذ الاتفاقيات المعقودة مع الدول الأجنبية والمنظمات الدولية.

وتركزت الإجابة عن هذا التساؤل في أطروحات عديدة، أكاديمية أو سياسية، تعيد أسباب الإخفاق في العمل العربي الاقتصادي المشترك إلى عوامل ذاتية وأخرى خارجية.

وهذه العوامل مترابطة، لكنها تتمحور حول موقف الغرب ودول الاستعمار القديم والولايات المتحدة الأمريكية ومشروعها الاستعماري الجديد، ذلك الموقف الذي حال دون تحقيق أي شكل من أشكال الوحدة العربية، ووقف مناهضاً شرساً للمشروع العربي النهضوي، وعمل حثيثاً على خلق (الكيان الصهيوني) ومدّه بأسباب القوة، وبالدعم السياسي والعسكري والعلمي.

وإذا كان هذا الموقف الغربي الأمريكي الصهيوني الاستعماري مفهوماً، فإن ما يجب التركيز عليه هو العامل الذاتي الذي أعاق دوماً، العمل العربي المشترك (ومن أهم مرتكزاته التكامل التنموي) كما أعاق محاولات النهوض والانعتاق من دائرة التخلف.

وإذا كان الحديث يطول حول هذا الموضوع، فإننا في هذه العجالة، نشير على نحو رئيسي إلى طبيعة الأنظمة العربية الحاكمة، التي رأت من صالحها التمسك بالدولة القطرية وتعزيز التجزئة، انطلاقاً، من مقولة (المحافظة على السيادة الوطنية) مدعومة بقوى خارجية، وبقوى الفساد وأصحاب المصالح في الداخل، مستفيدة من حالة الجهل والتخلف التي تعيشها الشعوب العربية، وبضمن ذلك تخلّف المؤسسات السياسية.

وساعدها، في ذلك، ميثاقُ جامعة الدول العربية الذي يعتبر قرارات الجامعة ومؤسساتها غير ملزمة، وعلى هذا سعت كل دولة عربية (منفردة) إلى نسج علاقاتها الخاصة مع دول العالم والتكتلات الإقليمية، وفقاً لمصالحها القطرية الضيقة، وامتنعت، وتباطأت في تنفيذ متطلبات العمل العربي المشترك (وبضمنها عمليات التكامل التنموي) بحجة تعارضها مع السيادة الوطنية، التي تناستها تماماً في علاقاتها مع الدول الأجنبية (وخاصة دول الغرب والولايات المتحدة)، وفي علاقاتها مع المنظمات الدولية، دون أي حرج من أن هذه العلاقات تنتقص من سيادتها الوطنية. فهي لا تتذكر سيادتها إلا عندما يتعلق الأمر بعلاقاتها مع الدول العربية الأخرى.

الجدير بالذكر أن ميثاق العمل العربي الاقتصادي (سبق الإشارة إليه كوثيقة من الوثائق التي أقرها مؤتمر القمة في عمان عام 1980 إن هذا الميثاق أقر تحييد العمل الاقتصادي العربي المشترك، وإبعاده عن الخلافات السياسية بين الدول العربية (وهذا أمر غير ممكن وغير مسموح به)، كما أقر هذا الميثاق مبدأ (المواطنة الاقتصادية) ومعاملة رأس المال العربي والعمل العربي بما لا يقل عن معاملة مثيلها من أصل وطني في كل قطر عربي، وبما يحقق الضمانات اللازمة والحوافز المناسبة للاستثمار العربي في أرجاء الوطن العربي.

لكن هذا الميثاق وغيره من القرارات العربية، بقيت حبراً على ورق، وبدلاً من أن تكون القمم العربية والمجالس عاملاً للوحدة والتآخي، أصبحت أداة للتفرقة وزرع الفتن، وتبدّى ذلك عندما استُخدمت جامعة الدول العربية غطاءً للحرب على ليبيا، وعندما أخذت قراراً بتجميد عضوية سورية من مجلس الجامعة العربية ومنظماتها (مع أنها عضو مؤسّس) وغضّت النظر عن العدوان عليها، وعن تمويل المنظمات الإرهابية من بعض دول الجامعة. مما يشير إلى سابقة خطيرة في العلاقات العربية وفي آلية عمل الجامعة والعمل العربي المشترك، وخاصة أن الميثاق ينص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. في حين أنها تسكت عن العدوان اليومي الذي تشنه السعودية والدول الحليفة لها على اليمن وشعبه.

فلا عجب، والحال على ما ذكرنا، أن يتراجع العمل العربي المشترك، وأن يتم تجاهل التكامل التنموي، وأن تسلك الدول القطرية طريقها الخاص في علاقتها الاقتصادية مع دول العالم، دون أية مراعاة للمواثيق والقرارات العربية، وبضمن ذلك الهرولة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، لا بل والمسارعة إلى ضخ الاستثمارات فيه مما يساعده على تجاوز أزمته الاقتصادية.

التكامل التنموي بين الأقطار العربية ضرورة لا بد منها

مع اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية، خاصة بعد أزمة 2008، ومع أزمة وباء (كوفيد 19) تزداد الحاجة في جميع دول العالم، ومنها الدول العربية، إلى إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية الداخلية، وإعادة رسم علاقاتها مع الدول الأخرى في ضوء هاتين الأزمتين، آخذين بالاعتبار ما تركته السياسات الاقتصادية (تحت ظل

الأزمة الاقتصادية وأزمة كوفيد 19) على الاقتصاد الوطني، والتطورات الحاصلة على صعيد النظام العالمي.

آثار الأزمة والوباء على الاقتصادات العربية

نشير بدايةً إلى أن الأنظمة العربية، بدلاً من بناء اقتصاداتها على نحو مستقل، عمدت إلى ربط اقتصادها بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، ولذلك فإن هذه الاقتصادات كانت عرضة لما يتعرض له الاقتصاد العالمي الرأسمالي من أزمات، ويسري ذلك الاستنتاج على جميع البلدان العربية، وفي جميع المراحل، فيما عدا تجارب ذات توجهات اشتراكية تدخلية جرت منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، في مصر وسورية والعراق والجزائر وليبيا، وارتبطت تلك التوجهات بسياسات تحررية استقلالية، ولكن هذه التجارب لم تأخذ مداها، وكان أغلبها يجري من قبل السلطات التي سرعان ما اعتراها الوهن والفشل في الإدارة والفساد، والابتعاد عن نبض الشارع، وانهارت الشعارات الاجتماعية الداعية للعدالة والمساواة، مع ربط التحرر الاجتماعي بالتحرر السياسي، وكان لا بد من ربط ذلك كله بتحرير فلسطين.. ولذا كان من الطبيعي أن تستغل القوى المعادية والصهيونية الأوضاع السياسية والاقتصادية السيئة، وبرزت حركات اجتماعية بسبب سوء الأوضاع الاجتماعية، فكان أن وصلت تلك البلدان إلى ما وصلت إليه من فوضى أدت إلى تنامي الحركات الأصولية والتكفيرية وإلى دخول هذه الحركات ساحة الصراع مزودين بالقدرات اللوجستية والتسليحية من القوى المعادية، وهكذا أضيف إلى سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية عنصرٌ آخر يتمثل في الصراع السياسي المدعوم بالسلاح.

وللأسف فقد استُخدمت بعض الأنظمة العربية (خاصة الخليجية) للقيام بدور المزوّد لهذه الحركات الأصولية، ومن المفارقات أن مساعداتها لتلك الحركات جاءت تحت عنوان الحرية والديمقراطية، في الوقت الذي تمارس فيه على شعبها أقسى أنواع الحكم الجائر.

وهكذا فقد توحدت الأنظمة العربية، في تبعيتها للنظام الرأسمالي العالمي، كما توحدت سياساتها في تحويل اقتصاداتها إلى اقتصادات ريعية غير منتجة، واستمرّت في تبعيتها للغرب، رغم أنها قادرة على نسج علاقات مع جميع أنحاء العالم.

الاقتصاد الريعي الذي خيّم على الاقتصادات العربية، مرتبطاً بسوء توزيع الدخل وعدم العدالة في توزيع الثروة، وانسداد أفق التطور والتقدم، أدى إلى أن وَقْعَ الأزمة الاقتصادية العالمية، وتالياً وقع أزمة كورونا، كان قاسياً وشديداً.

فالبلدان العربية التي تبلغ مساحتها الكلية 13.3 مليون كم 2 (9.6 % من مساحة العالم) والتي يسكنها 400 مليون نسمة (5.4 % من سكان العالم)، يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 2347 مليار دولار (بالأسعار الجارية) فقط، أي إن متوسط نصيب الفرد من الناتج يبلغ 6420 دولار فقط (وهذا الوسطي يخفي حقيقة التفاوت الهائل في الدخول وتوزع الثروة)، وتملك البلدان العربية 55.6 % من احتياطي النفط في العالم و27.7 % من احتياطي الغاز الطبيعي، وتبلغ عوائد الصادرات النفطية بالأسعار الجارية أكثر من 308 مليارات دولار، عدا الثروات الطبيعية الأخرى، والقوى العاملة.

لكن في المقابل تصل قيمة الدين العام إلى أكثر من 232 مليار دولار، وتبلغ قيمة خدمة هذا الدين حوالي 19 مليار دولار سنوياً. أي ما يعادل حوالي 10 % من حصيلة صادرات السلع والخدمات (1).

وفي ظل مجموعة من الظروف السياسية والاقتصادية، ومع مواصلة انخفاض أداء النمو الاقتصادي في معظم البلدان العربية، ومع استخدام السياسات الاقتصادية الموالية للطبقات الثرية (وخاصة عندما تنفذ البرامج الموصى بها من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) ومع استمرار انخفاض أسعار النفط واستمرار الظروف الإقليمية والدولية غير المواتية للنمو، في ظل ذلك كله، تزداد معدلات الفقر والبطالة (خاصة بين الشباب) وتالياً تزداد نسب الحرمان من مصادر الرزق ومن الخدمات الأساسية مثل السكن والصحة والتعليم.

ونتيجة للأوضاع الأمنية في بعض المناطق، ازداد عدد النازحين واللاجئين، إذ يقدر عدد اللاجئين (حسب تقديرات الإسكوا عام 2015) في فلسطين 5.2 ملايين، وفي سورية 3.9 ملايين، وفي الصومال 1.1 مليون، وفي السودان 0.7 مليون، وفي العراق 0.4 مليون، أما عدد النازحين فهو 7.6 ملايين في سورية، و3.6 ملايين في العراق، و2.2 مليون في السودان، و1.1 مليون في الصومال، و0.4 مليون في ليبيا، و0.3 مليون في اليمن. وتقدر اليونيسيف نسبة الأطفال النازحين في سورية بـ 32 % من إجمالي السكان المتضررين من الأوضاع السائدة (النازح داخل بلده واللاجئ في الخارج).

وأدت السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة المتبعة إلى أن مستوى عدم المساواة في توزيع الدخل والإنفاق قد زاد، كما أن هناك تفاوتاً في توزيع الثروات وفي فرص الحصول على الاحتياجات الأساسية خاصةً بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية.

وتشير توقعات صندوق النقد العربي لعامي 2020_ 2021، في ضوء تأثيرات وباء كورونا، أن يكون لهذا الوباء تأثير سلبي عميق على الاقتصادات العربية، نظراً لمساهمة القطاعات المتأثرة بالإغلاق الكلي أو الجزئي، بنحو 70 % من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في البلدان العربية من ناحية، وبسبب الأضرار التي لحقت بقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي يسهم بحوالي 45 % من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى الرغم من جهود التنويع في النشاط الاقتصادي، فإن الدول المصدرة للنفط لا تزال معتمدة على نحو رئيسي على قطاع النفط في اقتصادها، ولذا فإنها ستتأثر إلى حد كبير بالتخفيض العالمي في إمدادات النفط الذي قررته أوبك.

وقد اتبعت الدول العربية مبدأ التحفيز لمواجهة تأثيرات وباء (كوفيد 19) وبلغت حزم التحفيز (حسب تقرير الصندوق) 232 مليار دولار، فضلاً عن إجراءات أخرى اتخذتها الدول العربية على نحو متفاوت من دولة إلى أخرى في مستويات تغطية شبكات الأمان الاجتماعي.

ويتوقع الصندوق نتيجة انخفاض مستويات النشاط الاقتصادي أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية بنسبة تقارب 4 % عام 2020، والمتوقع أن يكون تأثير الأزمة أشد على اقتصادات الدول المصدرة للنفط (2).

هل لا يزال التكامل التنموي ممكناً؟

لا شك أن أسباب إخفاق محاولات التكامل بين البلدان العربية أصبحت معروفة إلى حد كبير، لدى السياسيين والمفكرين الاقتصاديين، ولذلك فإن تجاوز السلبيات، أيضاً، يفترض أنها معروفة، كما أن سلبيات تجارب التكامل الأخرى في العالم وإيجابياتها تتابَع من قبل الهيئات المعنية ومن قبل الباحثين الاقتصاديين. وانطلاقاً من ذلك، ومن الوقوف على وقائع تطور الاقتصادات العربية، والعلاقات العربية، وفي ظل الواقع المأساوي في العلاقات العربية – العربية، يأتي السؤال حول إمكانية تحقيق التكامل الاقتصادي – التنموي العربي، خاصة أن أي بلد عربي لا يستطيع، منفرداً، أن يواجه هاتين الأزمتين.

وإذ يبدو الموقف سوداوياً من حيث نتائجه، بسبب ما يجري على أرض الواقع، فإن الأمل لا يزال قائماً في إمكانية تغيير الواقع، وخلق اقتراحات عملية تقتضيها مجموعة من الأسباب التي تأتي في مقدمتها، مواجهة مخاطر وباء (كوفيد 19) وتداعيات الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن الأهداف والغايات المتوخاة، من خلال تحقيق خطوات جدية على طريق التكامل.

ومن الواضح أن الوقائع التاريخية، منذ طرح الأهداف الطموحة للوطن العربي، تشير إلى أن بقاء الدول العربية تحت مظلة النظام الرأسمالي الليبرالي والعالمي، وربط مصير اقتصاداتها بدورة رأس المال العالمي، لن يخرجها من حالة التشرذم والتخلف، وأن أول الخطوات الواجب اتخاذها، هي الخروج من هذه الحالة، وجعل هذه الاقتصادات تعمل لما فيه صالح دولها، وليس لما فيه صالح الرأسمالية المتوحشة.

وعلى هذا فإن المسألة سياسية – استراتيجية – مصيرية.. وهذا يعني الانطلاق من نقطة البداية، واستكمال عناصر التحرر الوطني، بالانعتاق من دائرة التبعية، وتركيز الجهود نحو البناء الداخلي، بعيداً عن برامج الإصلاح المعروضة من المؤسسات الدولية.

وقد يبدو ذلك صعباً في هذه المرحلة، ولكنه أيضاً غير مستحيل، فقضية التحرر الوطني قضية إنسانية وجودية، تتطلع إليها جميع شعوب العالم، والبلدان العربية ليست استثناء من ذلك.

وفي هذه (العجالة) نرى أن نقطة البداية في التكامل العربي، هي بتحويل الأزمتين إلى فرصة، تبدأ من لقاء دولتين أو أكثر لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية والداخلية، ومواجهة آثار أزمة (كوفيد 19) ومن أجل بناء العلاقة بينها على أسس تكاملية تنموية، وتالياً إعطاء (النموذج) الذي سيجذب إليه باقي الدول العربية (وفقاً لظروفها) بعد أن يحقق هذا النموذج انتصاراً حقيقياً على التخلف والجهل والفقر والبطالة، وبعد أن يلمس الجميع مدى ما يحققه من تقدم على صعيد العدالة الاجتماعية، فضلاً عما يحققه على الصعيد السياسي، والانعتاق من هيمنة الدول الكبرى، خاصة بعد ما شهده النظام العالمي من تغييرات نتيجة تراجع نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، وصعود الصين وروسيا، ما يوحي بالانتقال من نظام القطب الواحد إلى نظام متعدد الأقطاب.

ومن هنا تبدو أهمية التكامل التنموي العربي باعتباره مطلباُ ضرورياً وممكناً.. لأنه يأتي في سياق عملية تحررية استراتيجية طموحة، خارج إطار التبعية للنظام الرأسمالي العالمي المتوحش، وخارج إطار المشروع الأمريكي الصهيوني.

(1)- الأرقام عن التقرير الاقتصادي العربي الموحد (2017 وهي عن عام 2016 ).

(2) تقرير صندوق النقد العربي – آب (أغسطس) 2020.

العدد 933 - 28/10/2020