نعم.. لكل الوطنيين العرب!

حنين نمر / رئيس الحزب الشيوعي السوري الموحد:

شاع في الحقبة الأخيرة استخدام مقولات وعبارات مثل (قضية فلسطين ليست قضيتنا)، و(فلسطين ليست لنا) (التطبيع يعني السلام).. إلى جانب العديد من الشعارات التي تعزف على وتر واحد هو وتر الخيانة الوطنية المفضوحة، التي تنمّ عن بيع فلسطين بيعاً قطعياً للمستوطنين اليهود الذين جاؤوا من أقاصي الأرض، والذين لا يمتّون بأي صلة، لا من قريب أو بعيد، لأرض فلسطين. ويهمنا هنا أن نوضح حقيقة تاريخية، نقولها رداً على الزاعمين بأن مئات الألوف من الفلسطينيين، وهم سكان فلسطين العرب الأصليين، قد هاجروا من تلقاء أنفسهم من فلسطين إلى باقي الدول العربية، ولم يُبدوا أيّ مقاومة تذكر للمحتلين الصهاينة (كذا)، والحقيقة المعروفة تاريخياً هي أن ثورات الشعب الفلسطيني وانتفاضاته ضد الانتداب البريطاني وضدّ تسهيلاته لهجرة الصهاينة من بلدانهم الأصلية إلى فلسطين، هذه الثورات والانتفاضات كانت متلاحقة على مدى النصف الأول من القرن العشرين تقريباً، وأنه قدّم كثيراً من الضحايا والتضحيات، وتضيف هذه الحقيقة أن المستوطنين اليهود، الذين جاؤوا إلى فلسطين بصفة احتلال، قد قاموا بطرد سكان البلاد الأصليين من الفلسطينيين العرب من بيوتهم طرداً، وأعملوا فيهم ذبحاً وتقتيلاً وتشريداً إلى الأقطار العربية المجاورة.

إذاً، إن فلسطين قد اغتُصبت اغتصاباً ولم تُسلَّم تسليماً، كما زعم ومازال يزعم غلاة الرجعية العربية السوداء، ويزداد الأمر وضوحاً حين نعلم أن مئات الألوف من المستوطنين الذين أتوا إلى فلسطين هم من القيادات العسكرية الإسرائيلية التي قاتلت في الحرب العالمية الثانية والمسلّحة تسليحاً جيداً، بينما المقاومون الفلسطينيون لم يمتلكوا سوى أسلحة بدائية وفاسدة، سرعان ما تخلوا عنها دون أن نغمط حق أهالي فلسطين والشهداء الذين استشهدوا دفاعاً عن ملكية أراضيهم.

لقد قامت (دولة إسرائيل) على حساب تشريد أهلها الفلسطينيين بالقوة المسلحة، وبدعم أمريكا والدول الاستعمارية الكبرى، مستفيدة من ضعف حركة التحرر الوطني آنذاك. هذه الدولة لم تكن لتعيش يوماً واحداً لولا أنها أصبحت مخفر حراسة للمصالح الإمبريالية العالمية، أي هي ثكنة عسكرية صنعت دولة وليس العكس.

إن القضية لم تعد الآن قضية اعتراف بإسرائيل أو عدمه، وإن كانت هذه القضية هي القضية الأساس، ومنها ينبع كل شيء، لكن المأساة الواقعية التي تنتظرنا هي مستقبل فلسطين ومستقبل إسرائيل كدولة.

وتتضح الخطورة فيما يلي:

1- إن المستوطنين اليهود مازالوا يتدفقون على أرض فلسطين من مختلف دول العالم وبالقدر نفسه يهجّرون شعب فلسطين من أراضيهم وبيوتهم ومزارعهم، في ظل القمع الوحشي الذي يلاحق كل فلسطيني.

وسنصل إلى يوم يتساوى فيه عرب فلسطين مع يهود فلسطين، عن طريق الحقن الدائم بالاستيطان، وما لم يعد أهالي فلسطين إلى بلدهم فقد تربح إسرائيل والصهيونية العالمية معركة التنافس الديمغرافي (السكان).

2- ما دام ميزان القوى العالمي بيد الدول الاستعمارية، فمن المستحيل حل المشكلة الفلسطينية حلاً جذرياً يقوم على عودة أرض فلسطين إلى أهاليها، وعودة شعبها إلى الدولة الفلسطينية العربية الحقيقية التي تعني كل السكان الأصليين، وإفساح المجال للتعايش مع كل من يقبل به عرباً ويهوداً.

لكن الأمور لن تبقى على حالها، وميزان القوى العالمي يسجل تغيراً هاماً لصالح قوى الحرية والسلام في العالم، ومنها الصين وروسيا والهند وفنزويلا وكوبا وإيران وسورية والعراق واليمن ولبنان، والتغيرات الحاصلة في هذه الدول تحمل معنى التقدم الاجتماعي والامتثال لموجبات السلام العالمي وحقوق الإنسان، ووضع التطور التكنولوجي في خدمته، والقضاء على العنصرية والفاشية.

6- إن لحركة التحرر الوطني العربية دوراً مفصلياً ورائداً في تقرير مصير فلسطين ومسار الصراع العربي – الإسرائيلي، لأن الأطماع الإسرائيلية لا تقف عند حد إقامة الدولة المصطنعة (إسرائيل)، بل إن لإسرائيل هدف إنشاء الدولة اليهودية العظمى، وهي وكيلة أعمال الإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط، وهذا ما جعل لإقامتها بعداً شرق أوسطيّ وحتى عالمي.

فكيف يمكن لدولة حاربت سورية ومصر والعراق والأردن ولبنان ومصر وغيرها منذ عام 1947 حتى يومنا هذا، وهل يمكن استمرار تسميتها بـ(دولة) وهي تستقدم نحو مليون مستوطن مؤهّل ومدرّب كل عام ونسمّيها بعد ذلك دولة؟

وباعتبار قضية فلسطين قضية وطنية وقضية مرتبطة بالصراع الاستراتيجي الدولي، فإن النضال من أجلها هو نضال طبقي قومي أممي في آن واحد، وكل انتصار فيها يتبعه انتصار للقوى الوطنية والتقدمية في العالم.

7- نعيد التأكيد أن الحلقة الأساسية في الصراع الآن هي حق العودة، والحيلولة دون تصفية القضية الفلسطينية. إن صفقة القرن هي الأداة السياسية الرئيسية لتصفية قضية فلسطين، لذلك يجب الحيلولة دون تمرير أي بند فيها والوقوف، بمنتهى الحزم، دون تهويد أي قطعة من ترابها والتمسك بعروبة القدس.

8- لقد برهنت الانتفاضتان الفلسطينيتان وحروب 2006 و2009 على قابلية الشعب الفلسطيني وقدرته على إحراق الأرض تحت أقدام إسرائيل، وأثبتت أيضاً القدرة على زعزعة أمن إسرائيل واستقرارها، وإشاعة أجواء القلق والرعب في أوساط المستوطنين والمهاجرين اليهود، ما يجعل من المستحيل إلحاق الهزيمة بالمقاومة.

9- إن تطور القضية الفلسطينية سياسياً وميدانياً، وكذلك المزاج العالمي الجديد الذي يخيم على العالم فيما يتعلق بهذه القضية، قد أجج نار الصراع العربي الإسرائيلي بكل مظاهره السياسية والميدانية، وجعل العالم يتحرك لإيجاد حل للقضية، وذلك باتجاهين متضادين، أولهما السعي للوصول إلى حل سلمي برعاية أمريكية، وهو حل يؤدي إلى تصفية قضية فلسطين تصفية شاملة ونهائية وطمس الحقوق القومية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق العودة وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة على أراضي 1967، هذا الحل الذي يعتقد كثيرون أنه حل واقعي في ظل المعطيات الراهنة على كل الصعد يمكن أن يكون خطوة نحو تحقيق مزيد من المطالب القومية لتشمل فلسطين 1948.

10- وكان من مآثر حقبة الستينيات من القرن الماضي، في سياق نضال الشعب الفلسطيني: ولادة منظمة التحرير الفلسطينية التي قلبت صفحة الركود والخنوع العربي، وتصاعد فيها نضال الشعب الفلسطيني ونشر أريجه الفواح في كل أصقاع الأرض، وساهم في إعادة صياغة الوضع العربي برمته، وألهب المشاعر الوطنية والقومية لدى أكثرية الشعوب العربية.

الآن، وبعد وصول التسوية إلى آفاق مسدودة، وإفلاس المراهنات على أوسلو والحل الأمريكي، يُطرح أمام فصائل الثورة الفلسطينية أحد خيارين، أولهما شعار تحرير فلسطين كل فلسطين، والثاني هو تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967، وإنشاء دولة فلسطين مع التمسك بخيار العودة، وبالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية، واستعمال كل أشكال النضال بدءاً بالأعمال الفدائية وانتهاء بالكفاح المسلح مترافقاً مع العمل السياسي، وعلى أساس بناء ميزان قوى جديد فلسطيني وعربي ودولي مستنداً إلى القرارات الدولية.

العدد 933 - 28/10/2020