حتى الجنائية الدولية لم تنجُ من العقوبات الأمريكية!

د. صياح عزام:

مؤخراً، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، منهم المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودة، وفالكيو موشوشوكو (رئيس قسم الاختصاص والتكامل والتعاون)، وذلك بسبب قيام المحكمة بالتحقيق في جرائم حرب ارتكبها الجيش الأمريكي في أفغانستان، وقد اتهم وزير الخارجي الأمريكي مايك بومبيو المحكمة الجنائية الدولية بأنها تتبع سبلاً غير مشروعة (لإخضاع الأمريكيين لولايتها القضائية).

ومن هذه العقوبات حظر أصول موظفي المحكمة ومنعهم من دخول الولايات المتحدة، ووضع قيود على إصدار التأشيرات لموظفيها المشاركين في التحقيق مع الموظفين الأمريكيين، كذلك وصف بومبيو الجنائية الدولية بأنها (مؤسسة محطمة وفاسدة)، والأخطر من ذلك تلويحه بمعاقبة كل من يدعم المحكمة قائلاً:

(أولئك الذين يواصلون الدعم المادي لهؤلاء الأفراد يعرضون أنفسهم لخطر العقوبات أيضاً).

ومما يجدر ذكره أن الولايات المتحدة هي واحدة من اثنتي عشرة دولة لم تنضم لعضوية المحكمة بعد إنشائها في عام 2002، علماً بأن هذه المحكمة تقدم إلى العدالة الدولية المسؤولين عن الإبادات الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ويحق لها التدخل عندما لا تستطيع سلطة لدولة ما مقاضاة المسؤولين، أو عندما لا ترغب بذلك، وقد تم التصديق على ميثاق إنشائها من قبل 123 دولة، إلا أن 4 دول عظمى لم تنضم إليها وهي أمريكا وروسيا والصين والهند.

لقد اتبعت المحكمة أساليب لمحاكمة وملاحقة عدد من زعماء العالم خاصة في إفريقيا، كما أصدرت قوائم بالمسؤولين المطلوبين وفرضت بحقهم عقوبات مثلما فعلته مع السلطات السودانية منذ سنوات خلت.

ولكن من المستغرب أنه عند قيام دول كبرى بأعمال تنتهك العدالة والقانون والحقوق الإنسانية، فإن المحكمة لم تستطع ملاحقة أي مسؤول، الأمر الذي دعا بعض الدول الإفريقية لاتهامها بعدم الحياد في التعامل مع الأفارقة.

وبمجرد فتح التحقيق الدولي في جرائم ارتكبها الجيش الأمريكي في أفغانستان، بادر الرئيس ترامب بإصدار عقوبات بحق مسؤولي المحكمة في شهر حزيران الماضي، وردت الجنائية الدولية على قراره، بأن هذا القرار يتضمن تهديدات وإجراءات أمريكية جائرة وقسرية، ويجسد هجوماً على مصالح ضحايا الجرائم الفظيعة التي تمثل المحكمة بالنسبة للعديد منهم الأمل الأخير للعدالة.

وقد أكد متابعون لهذا الأمر موضوعية المحكمة وواقعيتها وعدلها، بدليل أنه بالرغم من تحقيقها مع مسؤولين أمريكيين في أفغانستان، قامت أيضاً بالتحقيق مع الطرف الآخر في كابول المتمثل في الحكومة الأفغانية وحركة طالبان حول الأحداث التي شهدتها أفغانستان منذ عام 2003، لكن الولايات المتحدة لا تقبل بهذا الأمر، بذريعة عدم انضمامها للمحكمة، بينما يعتبر الأفغان تحت مظلة قوانين المحكمة ولوائحها وإجراءاتها، لأن أفغانستان قد انضمت إليها.

بطبيعة الحال، لقي هذا الموقف غير المنطقي بل التعسفي من قبل إدارة ترامب تجاه المحكمة الجنائية الدولية استنكاراً واسعاً على مستوى الرأي العام العالمي، مع مطالبة من بعض المنظمات الدولية بضرورة أن تتوسع المحكمة بالتحقيق في قضايا الانتهاكات والتجاوزات الأمريكية في أنحاء مختلفة من العالم.

على أي حال، هذا الموقف الأمريكي حيال المحكمة هو امتداد لمواقف مماثلة تجاه منظمات تابعة للأمم المتحدة، فقد انسحبت واشنطن من عدة منظمات وتخلت عن التزاماتها المالية تجاهها، بحجة انحيازها لطرف دون آخر حسب الادعاءات الأمريكية، فالرئيس الأمريكي ترامب يعتبر أن بلاده فوق القانون، وأن على العالم أن يسير في ركاب سياستها لأنها حسب زعمه هي الدولة الرائدة والقائدة في العالم والحامية للديمقراطية والعدالة!

العدد 933 - 28/10/2020