التحالف التاريخي بين المؤسسات الدينية والرأسمالية أغرقنا بالجهل

محمد علي شعبان:

بعيداً عن الانحياز أو التعصّب لجهة ما، أو لفرقة ما، أحاول قراءة المشهد معكم بموضوعية دون التباس.

هل سمع أحدكم أو شاهد يوماً رجلاً رأسمالياً يعمل من أجل تطبيق العدالة الاجتماعية أو تكافؤ الفرص؟! رغم أن بعضهم يتحدثون دائماً عن ذلك، لكنهم لا يعملون من أجل تطبيق العدالة، والحديث فقط عملية دعوية تخفي خلفها مصلحة خاصة ما يريد المتحدث تحقيقها.

وهل شاهدتم رجل دين في العالم اتخذ موقفاً حازماً من أجل الفقراء، سوى تحفيزهم على الصبر، ومنعهم من الاحتجاج، ودفعهم باتجاه الشكوى لله؟! وهل رأيتم نصاً مكتوباً في الكتب الدينية يحرّض على الاحتجاج بعيداً عن التوظيف السياسي لصاحب النص؟!

إن علاقة رأس المال في العالم مرتبطة عضوياً مع رجالات الدين، بغض النظر عن وجود رأسماليٍّ هنا أو هناك، قد يغرد خارج السرب لأسباب أيضاً خاصة وهي خارج السياق العام لنمط العيش الذي تفرضه الرأسمالية، التي تساهم بتشكيل وعي الأفراد والمجتمعات الرأسمالية كما تشاء، كي يخدموا مصالحها.

وما أقوله عن الرأسمالية وتعبيراتها الشخصية، متمثلة بالتجار ورجال الأعمال، وبعض المؤسسات والبنوك، التي تعتمدها في إدارة شؤونها المالية ينطبق تماماً على المؤسسات الدينية وتعبيراتها الشخصية، متمثلة برجال الدين، من كل الديانات والطوائف، والمؤسسات والجمعيات الخيرية، والجامعات، والمعاهد الشرعية، وما يتفرع عنها من مؤسسات وقفية تدير هذه الأموال بطرق لا تختلف عن طرائق الرأسمالية بشيء.

ولو تأملنا حركة سير المؤسسات الرأسمالية، التي تشكل وعي الأشخاص، المعبرين عن مصالحها، وفق تراتبية لا يمكن المساس بها استراتيجياً رغم الحروب التي قامت بها، والظلم الذي مارسته على الشعوب بغية نهب خيراتها، واحتلال أراضيها، وكلما ازداد انتصارها، ازداد طغيانها وتغولها.

وهي تتشابه في بنيتها، وطبيعتها، ونهجها، مع جميع المؤسسات الدينية على اختلافها وتنوعها، لكنها تتميز بطبيعة خطابها، وإيديولوجيتها، عن المؤسسات الدينية التي تمارس خطاباً مسالماً يحمل بين سطوره التسامح، والمحبة، ويؤسس لردات فعل عنيفة من نوع خاص.

تتمظهر بالمزيد من التقية، وتستبطن المزيد من العنف إلى حد التكفير، والتهجير، إذا اقتضت الضرورة ذلك.

ولو تعمق المراقب في شكل الخطاب وطبيعته، الذي تمارسه هاتان المؤسستان فسيعتقد أنهما مؤسسة واحدة تتشكل من فرعين، كل منهما يكمل الآخر. ويكاد يجزم، أن الخطاب المختلف التي تمارسه المؤسسات الدينية يمايزها تكتيكياً عن المؤسسات الرأسمالية، لكنه يخدم فعلياً المؤسسة الرأسمالية من الناحية الاستراتيجية، وكأنهما شركاء، في العديد من القضايا التي تسلب الفقراء جهدهم، وتقيد حرياتهم، وتتحكم بطرائق عيشهم، بالتعاون الواضح والصريح بين السلطات الثلاث: الدينية، والسياسية، والمالية.

إن جميع هذه المؤسسات يجمعها قاسم مشترك أساسي، يتجسد في الحفاظ على مسافة التمييز بين المواطنين وخلق تناقضات بينهم بغية استثمارها الدائم للحفاظ على مسافة التمييز بين الحاكم، والمحكوم، وبين المستغِل والمستغَل.

وبناءً على ما تقدم، يتبين بوضوح شديد، لماذا تحالفت جميع المؤسسات الدينية على اختلاف انتماءاتها، رغم التناقضات فيما بينها؟ لقد توافقت بعضها مع البعض الآخر في جبهة واحدة بمواجهة النظم الاشتراكية، والشيوعية، التي كانت ترفع شعار الدفاع عن العمال والفلاحين المنتجين وتعمل على تحريرهم من طغيان الرأسمالية.

إن أي تجمع له صفة يسارية حتى الأفراد اليساريون لم يسلموا من هجوم هذه الجبهة، التي اعتبرتهم أهدافاً خطرة، ويجب محاربتهم، كما حصل مع كل من الباحثين المصريين: فرج فودة، ونصر حامد أبو زيد وغيرهما كثيرون.

إن تغريد السلطة السياسية خارج تحالف السلطتين المذكورتين، يجعل السلطتين (الدينية، والرأسمالية) في موقف صعب للغاية.

لذلك نشاهد دائماً انتفاضة رجال الدين، عندما نذكرهم بمواضيع تقتضي عدالة اجتماعية، أو مساواة توجب عليهم أي استحقاق، يهربون للأمام إما باتهامنا بالإلحاد أو بالشيوعية، أو يقولون:

إن الله سميع بصير وعليم خبير، وهذه مشيئة الله، ونحن لا نعترض على مشيئته!

لو أراد لرزق هؤلاء الفقراء، لأنه قادر على كل شيء.

لقد رزق الدود من حجر الجلمود، فهل أنتم أكثر رحمة منه؟ ومن يعاكس مشيئة الله فهو كافر لامحالة.

بيد أن التحالفات المذكورة، التي جمعت أطرافاً متناقضة، وتكن لبعضها العداء، وتكفر بعضها بعضاً، وقفت صفاً واحداً في مواجهة خطر حقيقي يهدد مصالح هذه المؤسسات مجتمعة.

قد يستغرب القارئ إذا قلت إن الوعي الاجتماعي الذي تحاربه تلك المؤسسات يشكل بوابة حقيقية لمعرفة حقوق وواجبات الأفراد والمجموعات المضطهدة، والمستغلة، من قبل المؤسسات الرأسمالية، والدينية، هو الخطر الذي جمع ووحد صفوف تلك المؤسسات، رغم التناقضات بينها.

لذلك أقول: إن الوعي الاجتماعي هو السلاح الوحيد الذي يجب العمل على امتلاكه رغم بعض الصعوبات التي تحول دون امتلاكه، إلا أننا ندرك عدم وجود خيارات أمامنا، كفقراء، سوى التسلح بالوعي والمعرفة العلمية التي تحتكرها المؤسسات الرأسمالية، وتقدم لنا علوماً معيقة، وأفكاراً مضللة، لتجعلنا أدوات لها نقدم لها الخدمات مجبرين كي نبقى على قيد الحياة.

فهل تتحمل النخب الفكرية والسياسية استمرار الظلم والتغول على الفقراء؟ أو تسعى لتتحمل مسؤولياتها التاريخية وتعمل على تشكيل وعي جديد يكشف زيف الوعي المضلل التي كرسته تلك المؤسسات بغية الحفاظ على جهل المجتمع واستمرار استغلاله.

إن المتغيرات الجديدة التي تحدث في العالم وخاصة بعد انتشار فيروس كورونا، وطريقة تعامل الدول الرأسمالية مع هذا الوباء، وانكشاف جشعها تجاه الفقراء في بلدانها، تقتضي إعادة مراجعة لثلث قرن من الزمن حكمت فيه الأنظمة الرأسمالية وتحالفاتها في العالم، وأثبتت فشلها في تحقيق الأمن والأمان للأوطان. ولا بد من إعادة تشكيل نظام عالمي جديد، يأخذ على كاهله تطبيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، بعد الحروب التي أرهقت الشعوب ودمرت الأوطان.

العدد 937 - 25/11/2020