النظام الرأسمالي بعد كورونا

علم الدين أبو عاصي *:

إن النظام الرأسمالي الذي ادّعى بأنه النظام الأمثل، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، قد عانى في السنوات الأخيرة، رغم التقدم العلمي والتقني والإنتاج الفائض، صعوباتٍ واضحة منها: أزمة العقود وقروض الائتمان العقاري عام 2008، وتنبئ المؤشرات الاقتصادية عن قرب حدوث أزمة مالية عالمية جديدة أكثر حدّةً، فقد ارتفع هرم ديون الدول إلى مستويات غير مسبوقة، وبلغت مديونية الاقتصاد العالمي أكثر من ثلاثة أضعاف قيم الإنتاج، وبلغ العجز في ميزانية الولايات المتحدة تريليون دولار، واتسعت حالة الانكماش الاقتصادي، وتباطأ النمو، واتجه نحو الركود والكساد والبطالة، وانخفضت معدلات الفائدة إلى حدود الصفر، أي توقف رأسمال المال عن تحقيق الأرباح، وغدت الدولارات واليوروهات، غير المغطّاة، التي تطبعها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي لا تدخل في الإنتاج المناسب في بلدانها، بينما تغرق البنوك الرأسمالية بها اقتصاديات البلدان النامية بقروض عالية الفائدة، فتستنزف بها ثرواتها، وتجعلها عاجزة عن خدمة الديون المتراكمة، وتغدو على حافة الإفلاس، وتقترن عادة عملية الاحتيال والسلب هذه بفرض شروط سياسية قاسية تنتقص من سيادتها، ونرى مثلاً على ذلك ما يسمى (صفقة القرن) التي يجري العمل على فرضها في منطقتنا.

لقد قدم ماركس، بمنهج النقد والتحليل والاستشراف، استنتاجه بمآل الرأسمالية إلى الانهيار، وأوضح أن الاقتصاد الرأسمالي يمر بمراحل دورية متعاقبة من النمو والإفراط في إنتاج السلع، وتكديس الأموال، ثم الأزمة التي تؤدي لإفلاس الشركات والأفراد وانعدام الطلب والركود والانهيار.

ويشهد عالمنا اليوم التناقضات التي تنخر هذا النظام، فنرى الاحتجاجات الشعبية آخذة بالاتساع، وبريطانيا تغادر الاتحاد الأوربي، ويتضح انسداد الأفق أمام ما يسمى دول الرفاه والرفاهية، والفشل في مجابهة وباء كورونا، وتتخلى دول الاتحاد عن تقديم العون أيام الشدة للدول المتضررة من حلفائها، أليس ذا دلالة أن تقدم المساعدات، لهذه الدول المتضررة، من الصين وفنزويلا وكوبا وفيتنام، وليس من الاتحاد الأوربي الرأسمالي؟

لقد بينت أزمة كورونا خطل نهج الليبرالية الجديدة المعولمة المفتوحة للتجار والأسواق وانتقال الأموال، وكذلك فكرة الدولة المحدودة التأثير، فقد اتخذت الدول العديد من الإجراءات التي تتناقض مع معايير ومبادئ النيوليبرالية، وأسرعت حكوماتها بفرض قيود حمائية على التجارة والنقل، وأغلقت حدودها بوجه القادمين من جيرانها وحلفائها، وأدركت الحاجة إلى تعزيز دور الدولة الاقتصادي، وضرورة تقديم العون للشركات الصغيرة والمتوسطة، وللعاطلين والمتوقفين عن العمل، والإنفاق على التأمين الصحي، واتخذت إجراءات مركزية فورية وإجبارية حتى دون اللجوء إلى المسوغات الدستورية أحياناً، ووضعت بعض شركات القطاع الخاص تحت تصرف الإدارة المركزية للدولة، وأشركت طاقات الجيش الوطني لمؤازرة قوى الأمن والسلطات الصحية.

إن فشل البلدان الرأسمالية في مواجهة وباء كورونا هو نتيجة للسياسات العاملة لخدمة الرأسمالي الكبير، وتسليع الصحة وخصخصتها، بهدف زيادة أرباح المجموعات الاحتكارية، ضاربة بعرض الحائط المصالح والحقوق الشعبية. وشهد العالم كيف تقمع الإدارة الأمريكية شعبها لتكريس السياسات العنصرية في الداخل، وكيف تواصل نهج الهيمنة والغطرسة على الساحة الدولية، وتتهرب من التزاماتها ومسؤولياتها في المحافظة على سلامة مناخ الأرض، وانصرفت ومثيلاتها مما يسمى السبع الكبار لفرض الحصار والعقوبات الظالمة على الشعوب المطالبة بحريتها واستقلالها، متجاوزة كل المواثيق والقوانين الدولية والأعراف الإنسانية، وعملت على معاقبة المؤسسات الدولية التي لا تخضع لإملاءاتها، بينما كان الأولى بها، بالمعايير الإنسانية، أن ترفع كل القيود والعقوبات عن الدول والمؤسسات المتضررة بالوباء، والعمل على تطوير التضامن والتعاون الإنساني في مواجهة هذا الفيروس القاتل، ولكنها أثبتت من جديد عدم اهتمامها بمصائر البشر، وأنها لا تأخذ بالاعتبار المصالح الإنسانية العامة، بل تهتم بما تدعيه المصالح الوطنية، وهي في الحقيقة مصالح الفئات الغنية المتحكمة بمجتمعاتها وذات النفوذ اقتصادياً وسياسياً، فثلاثة أسر في الولايات المتحدة تمتلك ثروة أكثر من مجموع النصف الأدنى من الشعب، ولذلك تشتد التداعيات السلبية لهذا التمايز الطبقي وعدم المساواة، ويتدهور وضع الطبقات الوسطى والدنيا، ويزداد قلقها على مستقبل أبنائها.

فالنظام الرأسمالي القائم على جني الأرباح قد ولد ملايين الجياع، ومآسي لا حصر لها من الفقر والظلم والبطالة، وإخضاع الناس للعبودية المأجورة وديكتاتورية الرأسمالي، أما ادّعاء الدول الإمبريالية بالعمل لنشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان في البلدان الأخرى، فهو تضليل وغطاء لمراميها في التدخل بالشؤون الخاصة لتلك البلدان، فالديمقراطية ترتبط بنضال الشعوب من أجل الحرية والحد من الاستغلال، وهي غاية نضال المضطهدين من أجل المساواة، وهي مرتبطة عضوياً بالنضال من أجل الاشتراكية، النظام الأكثر عدالة.

إن نضال الشعوب الدؤوب من أجل الحياة الكريمة سيسرّع زوال هذا النظام الرأسمالي المتوحش والمرعب، الذي هدد بوحشيته واستغلاله السلم الدولي، وحتى الوجود البشري بما فيه شعوب دوله ذاتها، فالبشرية اليوم تحتاج إلى أنظمة وقيادات تحكّم العقل، وتبني سياساتها على أسس المبادئ الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمساواة في امتلاك الثروة وضمان الأمن العام والخاص، والعيش الكريم للإنسان.

ولذلك نرجح أن انتعاشاً جديداً للأفكار الاشتراكية سيشهده عالمنا، على حساب التيارات الليبرالية والفاشية والشعبوية التي فرضت نفسها في العقود الأخيرة بعد غياب الاتحاد السوفييتي، ونؤكد أن المبادئ الماركسية لاتزال تشكل الدليل النضال لإنقاذ البشرية من حدة التفاوت الطبقي والبؤس وغياب العدالة والقيم الإنسانية.

ومن الطبيعي والضروري أن تتضمن اشتراكية المستقبل مرتكزات واضحة في بنيتها الفكرية، وأن تغتني بالمبادئ الديمقراطية الاجتماعية والسياسية، وأن تحقق تجاوزاً للأنظمة الرأسمالية أولاً، ولإخفاقات التجارب الاشتراكية السابقة، وأن تتواءم أيضاً مع متطلبات العصر والتقدم الحضاري، اشتراكية تكرس العدل والديمقراطية والقيم الإنسانية، ويتحول العمل فيها إلى قيمة وحاجة حيوية ومصدر للراحة النفسية ومحبة الحياة.

وقد أثبتت أزمة كورونا مجدداً أن النظام الرأسمالي لا يضمن للبشرية الأمان، وبدا هشّاً في معالجاته، وأفرز رؤى مالتوسية جديدة غير إنسانية مثل (مناعة القطيع، والقبول بفكرة التضحية بكبار السن لتجديد شباب أوربا …)، فالولايات المتحدة الأمريكية التي تملك أساطيل البوارج الحربية في بحار العالم، وترسانات المقاتلات والصواريخ والرؤوس النووية و725 قاعدة عسكرية خارج حدودها، معدة للاعتداء على الشعوب ولنهب ثرواتها، نجدها تفتقر لأجهزة التنفس المنقذة لأرواح المرضى المصابين الذين يتساقطون بالآلاف صرعى بوباء كورونا، ونجد أيضاً عتاة رأسمالييها مثل غيتس، وروتشلد، وروكفلر، ينصبّ اهتمامهم على كيفية احتكار اللقاح والدواء لمّا ينتج، والتطلع إلى خلق حكومة مركزية عالمية إلكترونية واحدة للسيطرة على حياة البشرية.

بينما نجحت الصين وحزبها الشيوعي أكثر من غيرها في حشد الطاقات وتسخيرها لخدمة عامة مواطنيها، فالاشتراكية هي النظام الأمثل الذي يحفظ المساواة والعدالة في توزيع الثروة، وتحقيق وسائط الأمن والأمان للمستقبل الإنساني، بعيداً عن استغلال الرأسمال الوحشي. فالدولة الاشتراكية تعتمد التخطيط العلمي المركزي، وتنظم طاقاتها المادية والإدارية، وتجعلها مسخرة لمصالح الشعب، ولضمان الرعاية والوقاية، ولحياة تتسم بحفظ كرامة الإنسان، وتأمين حاجاته الأساسية أولاً: (المنزل، والعمل، والصحة، والتعليم، والنقل، والضمان الاجتماعي، والتقاعد، والراحة والثقافة، والرياضة …)، وليس لتكديس الأرباح في أيدي الطغم الرأسمالية، لذلك فهي تمتلك القدرة على أخذ دورها الفعال في معالجة الأزمات.

ومن هذه الأرضية يلاحظ عودة للحديث في بعض أوساط الغرب الرأسمالي عن الاشتراكية سبيلاً للإنقاذ، وكذلك خفوتاً في لهجة التشهير الإعلامي بالاشتراكية، فهل تنهض قوى اليسار، ويستعيد النضال الاشتراكي ألقه؟ رغم كل أساليب القمع والاضطهاد، إذ يستمر في الوقت نفسه في ذاك الغرب هجوم قوى رأسمال المال على المكاسب والحقوق الاجتماعية والديمقراطية والنقابية، التي حققتها الطبقة العاملة وحلفاؤها عبر نضالات مريرة وقاسية، ويترافق ذلك أيضاً بالهجوم على الإيديولوجية الشيوعية وعلى الأحزاب الشيوعية، السند الحقيقي للطبقة العاملة وللفئات الشعبية، وتستمر أيضاً ممارسة سياسات التفرقة العنصرية ضد الملونين وأبناء البلدان الأخرى.

ولما وجد ترامب، رئيس الدولة الإمبريالية الأكبر، خطل سياساته وإجراءاته في مواجهة وباء كورونا، وعجزه عن الحد من تزايد أعداد المصابين في بلاده، وجّه اتهامه للصين بإخفاء المعلومات عن الفيروس، ورددت خلفه المعزوفة ذاتها الجوقة الأوربية، والتحق بها أيضاً التابعون العرب، بالهجوم على الصين والحزب الشيوعي الصيني، في حملة كيدية من العداء للشيوعية، في وقت تقوم فيه الصين بإرسال المساعدات والخبرات إلى قرابة مئة دولة من دول العالم المستغيثة، وأظهر فيه الشعب الصيني قدرة وعياً والتفافاً حول الحزب الشيوعي.

ولا بد من ملاحظة صعود قوى عالمية وازنة ومؤثرة بشرياً واقتصادياً وعسكرياً (دولاً وشعوباً)، أخذت تفرض وجودها على الساحة الدولية في وجه عتوّ القطب الأمريكي وتفرّده وهيمنته، ويمكن القول إن العالم قد دخل مع أزمة كورونا مرحلة جديدة نسبياً ستفضي إلى عالم متعدد الأقطاب، واحترام القانون الدولي، وستغدو فيه فكرة قيام قيادة مركزية واحدة تحكم العالم مجرّد أضغاث أحلام.

ولمواكبة هذه التحولات، لابد من توحيد جهود كل المتضررين من السياسات النيوليبرالية الرأسمالية المتوحشة، ومن أجل بيئة نظيفة، وعالم آمن خال من الحروب والأمراض، وإعلاء شأن القيم الإنسانية، فالبشرية التي أدمتها الحروب الإمبريالية والأزمات، تقف أمام خيار: إما الاشتراكية، أو الغرق في الهمجية.

أواسط تموز 2020

  • (رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد)
العدد 928 - 23/09/2020