الجزيرة السورية وشرق الفرات.. جوهرة سورية وساحة الصراعات الدولية القادمة

د. منير الحمش:

(… إن تفتيت سورية والعراق إلى مناطق عرقية ودينية قائمة بذاتها (…) يُعد الهدف الرئيسي لإسرائيل على الجبهة الشرقية على المدى الطويل، غير أن تفتيت القوة العسكرية لهاتين الدولتين يُعد الهدف الأساسي على المدى القصير… )_ (استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات)

نقاط خلفية بدلاً عن المقدمة:

• لا يمكن البحث حول أيّة بقعة جغرافية في سورية، بمعزل عما يجري في باقي المناطق، وتركيزنا هنا على الجزيرة السورية وشرق الفرات يأتي رداً على المشروع الأمريكي _ الأوربي – الصهيوني لتقسيم سورية، بإحياء المشروع الفرنسي الإثني بإقامة (كيان كردي – كلدو آشوري مع بعض القبائل العربية) الذي أسقطته الحركة الوطنية السورية في ثلاثينيات القرن الماضي.

• لا يمكن وضع الكرد في سلة واحدة، فهناك أكثر من 16 حزباً كردياً، وتتمثل الحركة الكردية الآن بحزب الاتحاد الديمقراطي ذو التوجهات اليسارية العنيفة وهو فرع لحزب (عبد الله أوجلان) في تركيا، المصنف إرهابياً. في المقابل هناك المجلس الوطني الكردي الذي يجمع بين صفوفه أحزاباً كردية متعددة، وهناك الجمهور الكردي الواسع من المواطنين الذين يرفضون الانضواء إلى أي من الجانبين. هذا التشرذم في الولاءات هو ما دفع الولايات المتحدة وفرنسا إلى الدعوة لمؤتمر يجمع أطياف الحركة الكردية في شهر أيار الماضي 2020 في محاولة لتوحيد الموقف تجاه أهم القضايا المطروحة من خلال عملية الحوار وفق قرار مجلس الأمن 2254 وتقديم الأكراد كطرف فاعل معترف به دولياً في مفاوضات الحل النهائي للأزمة السورية، حاملاً للمشروع الأمريكي الصهيوني لتقسيم سورية تحت عنوان (الفدرلة)، والتخلي عن الصيغة الوطنية السورية الواحدة ببعدها القومي العربي بما يخدم المشروع الصهيوني.

• الحالة الآن: تسيطر قوات (سورية الديمقراطية) بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (pyd) على نحو ثلث مساحة سورية، وعلى 90% من الثروة النفطية و45% من إنتاج الغاز، وعملت الإدارة الذاتية على تثبيت وقائع على الأرض بدعم أمريكي مكشوف وبمساعدة حثيثة قدمتها المخابرات الفرنسية والإنكليزية والإسرائيلية. وتنتشر في المنطقة قواعد عسكرية ومطارات تستقبل مختلف أنواع الطائرات. وتقوم القوات الأمريكية بتعزيز مستمر لمواقعها، وربط هذه المواقع مع القواعد الأمريكية في العراق.

• تجري تفاهمات بين الولايات المتحدة وتركيا لتثبيت الأمر الواقع على الأرض مقابل موافقة أمريكية على الوجود التركي في الشمال وعلى الحدود وفي المدن الهامة كعفرين وفي إدلب وفي الوقت ذاته، فإنه يبدو أن تفاهمات أخرى تتم بين روسيا وتركيا، في إطار اتفاق مناطق خفض التوتر، يتضمن موافقة روسيا على الوجود التركي في الشمال… وفي هذا الإطار تعقد بين حين وآخر اجتماعات تضم: روسيا وتركيا وإيران كان آخرها منذ أيام، لتنظيم العلاقة بين الدول الثلاث الضامنة لأعمال (أستانا) ولدفع عملية الحوار السياسي السوري – السوري.

• هكذا ومن خلال ما يجري على أرض الجزيرة وشرق الفرات وخاصة من خلال إمعان (قسد) في إجراءاتها الهادفة إلى (تكريد) المنطقة، وتغيير مناهج الدراسة، وفرض اللغة الكردية، والاستيلاء على المقرات الحكومية ونهب الثروات النفطية والزراعية وفرض قيود على المواطنين بما فيها التجنيد الإجباري. وما يجري من زاوية أخرى من الوجود العسكري الأمريكي، والفلتان المخابراتي الأمريكي والفرنسي والبريطاني والإسرائيلي. وفي المقابل سمحت السلطات السورية التي كانت تسيطر على مطار القامشلي، بوجود عسكري روسي في المطار، مما يشكل عامل توازن مع التمدد الأمريكي والقواعد الأمريكية والمطارات وإن كان توازناً محدوداً.

• ومن خلال هذه الصورة السريعة المتشابكة لوجود القوات الأجنبية، والمخابرات الأجنبية، ومن خلال الوقوف على المصالح المتناقضة لهذه القوى، فإن المستقبل ينذر بتطورات خطيرة بعد أن أصبحت الجزيرة السورية وشرق الفرات ساحة للصراعات الدولية، وللمخططات التقسيمية.

مقدمات المشروع الأمريكي – الصهيوني التقسيمي:

إن إقامة الدويلات الدينية والعرقية، فكرة استراتيجية في المخطط الأمريكي – الصهيوني لمستقبل الوطن العربي. ذلك أن تجزئة المجزّأ في المناطق المحيطة بالكيان الصهيوني، وتحويل المجتمعات إلى دويلات ضعيفة وفاشلة هو الحل التاريخي المساعد لتنفيذ مخططات الاستعمار القديم والجديد.

إن هذه المخططات لا تنتهي، إنما تتجدد، فبعد الحرب العالمية الأولى جرى اقتسام تركة (الرجل المريض) أي الإمبراطورية العثمانية، وفقاً لمصالح الدول المنتصرة، ومن خلال ما تم الاتفاق عليه في معاهدة (لوزان 1923) كانت تركيا هي المنتصر الأساسي، وكان ذلك بداية عملية تشكيل المنطقة العربية وفقاً لمصالح الدول الكبرى. ومنها كانت بداية ظهور (المشكلة الكردية).

وأصبحت سورية تحت الانتداب الفرنسي، الذي عمل حثيثاً من أجل تقسيمها إلى دويلات، وكان نصيب منطقة الجزيرة السورية المشروع الفرنسي الإثني الذي يسمح بقيام كيان (كردي – كلدو – آشوري – مع بعض القبائل العربية) مستفيداً من سياسة التتريك والتهجير التركية لعناصر وفئات من غير المتحدثين باللغة التركية، مما سمح للمشروع الفرنسي بتدفقات كبيرة من المهاجرين من الأراضي التي كانت تحت السيطرة التركية، فالتقت سياسة التتريك والتهجير التركية مع السياسة الإثنية الفرنسية من أجل (تصنيع مستقبل) سورية، ورسم حدودها انطلاقاً من مصالح تركيا وفرنسا، وليس من الواقع ومصالح شعب سورية.

وقد فشل هذا المشروع تحت وطأة المقاومة الوطنية، ومع نيل الاستقلال السياسي فيما بعد، مما رسخ وحدة الأراضي والشعب السوري في إطار الجمهورية العربية السورية.

وعلى الرغم من تتابع العهود، منذ الاستقلال، فقد ظل هناك نوع من الثوابت الوطنية والقومية. التي مارست من خلالها سورية دورها الإقليمي والدولي، وتتلخص هذه الثوابت بـ:

– التمسك بالوطنية السورية وبعدها القومي العربي.

– الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية، وإلى جانب جميع حركات التحرر في العالم.

– الإيمان العميق بالوحدة العربية، والتمسك بمبادئ مؤتمر باندونغ، والحياد الإيجابي.

– التمسك بالقرار الوطني السيادي. ورفض التبعية بجميع أشكالها.

مع تطورات الأوضاع الداخلية السورية وفي ظل الظروف الإقليمية والدولية، تفجرت الأحداث منذ مطلع عام 2011، ومع تصاعد التدخلات الخارجية، وتزايد النشاط الإرهابي، تضاعفت مسؤوليات القوات المسلحة السورية، وقوى الأمن، والمؤسسات الحكومية الإدارية. وأصبح على الحكم السوري مواجهة قوى غاشمة عديدة، مزودة بأسلحة جديدة، وبعناصر مقاتلة من دول عديدة، الأمر الذي أدى إلى توجيه الجهود نحو المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر وللإرهاب، وبالتالي ضعفت قبضة الدولة في مناطق أخرى، مثل الجزيرة السورية، التي كانت تضم مجموعة مسلحة ومنظمة من الأكراد، استغلت واقع الإدارة الحكومية السورية، فاستولت على الدوائر والمؤسسات الحكومية، وأعلنت بدعم واضح من أوربا والولايات المتحدة وبعض دول الخليج، الإدارة الذاتية في مناطق معينة، ادعت أنها (مناطق كردية) فدعتها تارة (كردستان الغربية) وتارة أخرى بمناطق الحكم الذاتي بعد ضم شرق الفرات والرقة إلى ما دعته (الفيديرالية الشمالية – روج آفا) وعاصمتها (قامشلو) كما تفضل أن تسمى مدينة القامشلي.

مشروع الإدارة الذاتية في الجزيرة السورية:

بداية، لابد لنا من تقديم بعض الملاحظات التي نراها تُفيد البحث:

1- إن مسألة (الإدارة الذاتية) ليست مسألة فنية – إدارية – تنظيمية، كما يريد البعض تصويرها، كما أنها ليست مسألة حقوق اجتماعية وثقافية وتعليمية، كما يريدها البعض الآخر.

إنها مسألة سياسية، تضم جميع تلك العناصر، إضافة إلى أبعادها الاستراتيجية التي تتعلق بالمشروع الأمريكي – الصهيوني – الأوربي – التقسيمي.

2- إن تجربة الإدارة الذاتية التي يجري تطبيقها الآن في الجزيرة السورية وشرق الفرات، تعني لأصحابها بداية تحقيق أوهام المشروع التاريخي (الكردي) مع إعطائه تلك الصفة التي سبق للفرنسيين أن أعطوها له أي الغطاء الكلدو آشوري – مع بعض القبائل العربية، وهذا المشروع من جانب المخططين الاستراتيجيين هو جزء من (مشروع الشرق الأوسط الواسع) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الابن بعد احتلال العراق.

3- إذا كان مشروع الإدارة الذاتية الحالي، يُعيد إلى الأذهان المشروع الفرنسي الإثني، فإنه يبرز أيضاً دور المطامع الصهيونية في كلا الحالين، فقد تمثلت هذه المطامع في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، بطرح مسألة توطين الفلسطينيين، وهي اليوم تبرز من خلال التدخل الصارخ للصهاينة من خلال تقديم العون إلى القائمين على المشروع في مجالات الدعاية والإعلام، وفي مجالات أخرى سرية، إنما تبدو من حين إلى آخر على شكل وجود مخابراتي في مناطق الإدارة الذاتية.

4- تعود أهمية المنطقة الجغرافية الخاصة بمشروع الإدارة الذاتية، بالنسبة للأمريكان (وتالياً للأوروبيين والصهاينة) إلى عنصرين أساسيين:

الأول: الموقع الاستراتيجي (الجيوسياسي) شمال شرق سورية على الحدود التركية والعراقية، وقريباً من إيران و(إسرائيل)، وبالتالي فإن المشروع الفيدرالي الأمريكي من شأنه أن يعزز المواقف المناوئة لإيران ويمنع تمددها.

وتشمل هذا المنطقة ثلاث محافظات سورية هي: دير الزور – الحسكة – الرقة، يسكنها حسب الإحصاءات الرسمية لعام 2010 ( 17,4% )من سكان سورية، بينما تبلغ مساحتها 41% من إجمالي مساحة سورية، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي مميز، إذ يحدها من الشمال تركيا ومن الشرق العراق ومن الغرب البادية السورية ومحافظات حمص وحماه ودمشق. وقد اكتسبت المنطقة أهمية حضارية عبير التاريخ مما يمنحها ميزة إضافية كموقع سياحي وتراثي.

والثاني: ما تملكه من إمكانيات وموارد طبيعية هائلة، لا تقتصر على النفط والغاز (رغم أهميتها) إنما تمتد إلى معادن أخرى ثمينة لم تكتشف بعد.

ومنذ الأيام الأولى للتدخل الأمريكي المباشر، بذريعة (مكافحة الإرهاب)، سعت الولايات المتحدة للوجود الفعلي في المنطقة، وزرعت العديد من القواعد العسكرية، وجلبت إسهامات عسكرية من فرنسا خاصة وبعض الدول الغربية. وكما طلب الرئيس الفرنسي في العشرينيات من الجنرال الفرنسي وضع المنطقة ضمن معالجات خاصة، قامت الولايات المتحدة، بتدمير الجسور التي تربط شرق الفرات بغربه، وأنذرت القوات المسلحة الحكومية، والقوات الجوية الروسية بعدم تخطي النهر.

5- رغم إعلان الإدارة الذاتية عن مجالس منتخبة، وعن هيكل لحكومة تضم عناصر من مختلف الأطياف، ورغم تجنيد الآلاف من العشائر العربية في صفوف قوات سورية الديمقراطية، فإن العنصر (الكردي) هو الغالب في تلك التشكيلات، وإن القرار الأساسي الذي يتخذ في كل المستويات هو بيدهم. ولكن الملاحظ أيضاً أن الداخل الكردي، يغلب على قراراته طابع خاص، يوحي بسيطرة أكراد غير سوريين (من أكراد إيران وتركيا يعيشون في جبال قنديل شمال كردستان العراق) كما أصبح يردد الشارع السوري في المدن الرئيسية كالقامشلي والحسكة.

6- في إطار التفاهمات الفرنسية التركية، في عشرينات القرن الماضي تدفقت موجات كبيرة من الأكراد، من تركيا إلى شمال سورية. وعندما احتجت الحكومة الوطنية السورية وأدركت المخاطر فيما دعته (تدفق الغرباء) إلى الجزيرة، وبعد العصيان الذي قاده الأكراد في المدن الرئيسية الجزراوية، أرسلت وزير المعارف آنذاك (محمد كرد علي) لدراسة الأمر على الطبيعة، وتقديم مقترحات بهذا الشأن، وبالفعل قام (كرد علي) بزيارة المنطقة وقدم تقريراً مستفيضاً في عام 1931، اقترح فيه توزيع الأكراد والأرمن الفارين من تركيا في المناطق الداخلية السورية، وحذر من تمركزهم على الحدود. لكن تحذيرات (كرد علي) ذهبت أدراج الرياح، ولم تول الحكومات السورية المتعاقبة هذا الموضوع الأهمية التي تتناسب مع عمق المخاطر التي نبّه إليها محمد كرد علي.

وقد رفض الأكراد باستمرار مسألة مغادرة المناطق الحدودية مع تركيا، لأن تركيا تحوي الخزان البشري الكردي الذي يمدهم باستمرار بتدفق مستمر يعزز من وجودهم في منطقة الجزيرة، بحيث يظلون على صلة مع العشائر الكردية في تركيا وفي العراق، مما يوحد الجهود في المناطق الثلاثة من أجل تحقيق (الأوهام) التي غذتها بعض العقول المريضة المرتبطة بأجندات خارجية، تهدف إلى خدمة الأهداف الأوربية، الصهيونية، ثم الأمريكية لاحقاً.

7- يسيطر حزب الاتحاد الديمقراطي بما يملكه من إيديولوجيا وتنظيم وسلاح على (الإدارة الذاتية) والقوات المسلحة بمختلف تسمياتها. وتصر تركيا على اعتباره حزباً إرهابياً وكفرع من الحزب التركي. وتمهيداً لتقديم أكراد في المحافل الدولية كقوة موحدة عملت المخابرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية على توحيد كلمتها، وفي تاريخ 17/5/2020 نشرت جريدة (الشرق الأوسط) خبراً حول نجاح قوى كردية سورية في شمال شرق البلاد بدعم أمريكي فرنسي مشترك في التوصل إلى رؤية سياسية تضمنت خمس نقاط منها أن يكون نظام الحكم (اتحادي فيدرالي) يضمن حقوق جميع المكونات. واعتبار الكرد (قومية ذات وحدة جغرافية – سياسية متكاملة). وتضمن الاتفاق المطالبة بـ (الإقرار الدستوري) بالحقوق القومية المشروعة و(تشكيل مرجعية كردية تمثل جميع الأحزاب والتيارات السياسية وممثلي المجتمع الكردي في سورية).

وكان المبعوث الأمريكي (وليام روباك) قد عقد جولات من المباحثات المشتركة والثنائية بين الأطراف الكردية، ثم دخلت فرنسا على خط المحادثات، واتفق على أن تعقد جولة ثانية من المحادثات لمناقشة باقي القضايا الخلافية، على أن تؤدي إلى تشكيل وفد كردي موحد للمشاركة في المحافل الدولية الخاصة بالأزمة السورية، واتخاذ موقف موحد من النظام السوري والمعارضة.

هكذا تجري على قدم وساق أعمال التهيئة لإقامة الكيان الكردي – الكلدو آشوري مع بعض القبائل العربية الذي عملت عليه فرنسا بعد احتلالها الجزيرة السورية ضمن تفاهماتها مع تركية الآتاتوركية التي جرى من خلالها التخلي عن أراضٍ شاسعة من سورية لتركيا، وإعداد الأجواء المناسبة لسلخ لواء اسكندرون مقابل امتناع تركيا عن دعم الثورات السورية ضد الاحتلال الفرنسي. ويستكمل التفاهم التركي الفرنسي بتسهيل عملية (تهجير) الأكراد والسريان العرب والأرمن باتجاه الأراضي السورية التي أصبح معترفاً بها دولياً على أنها تضم الدولة السورية.

ماذا تريد الولايات المتحدة من دعم المشروع الكردي؟

بالطبع إن ما تريده هو غير ما يعلن عن حقوق الإنسان والديمقراطية وغير ذلك من شعارات زائفة.

إنها تريد ما يحتاجه مشروعها (الشرق الأوسط الواسع أو الكبير) ومن أجل تنفيذ هذا المشروع، فإن الضرورة تقضي بأن تُزال معوقاته، ومعوقات المشروع الأمريكي، وجود دولة قوية في سورية، تحمل لواء القومية العربية، ولهذا لابد من إضعاف الدولة السورية (إضعاف قواتها المسلحة وإضعاف اقتصادها) ولابد من القضاء أو تشويه الهوية الوطنية العربية، وهنا تحتاج أيضاً إلى:

– إنهاء الوجود الإيراني الداعم للدولة السورية.

– (تدجين) أو احتواء الوجود الروسي ضمن تفاهمات تحفظ مصالحهما، في حال عدم القدرة على إنهاء الوجود الروسي نهائياً.

بمعنى آخر إنهاء الدعم الإيراني والروسي لاستقلال ووحدة سورية وضمان استمرار سيادتها على كامل أراضيها.

وفي سياق تنفيذ السياسة الأمريكية، فإن الأمر بحاجة إلى قوة عسكرية محلية، وقد فشلت محاولاتها لإيجاد هذه القوة من ما يدعى (المعارضة السورية) فتلقفت الحل الكردي، الذي يقدم إليها حلاً جاهزاً ومتكاملاً، فهو من جهة أداة تنفيذية لمشروعها، ومن جهة ثانية يوفر عليها تكاليف مادية وسياسية وعسكرية يمكن أن تنجم عن استقدام قوات عسكرية أمريكية.

الإدارة الذاتية.. النظرية والممارسة:

في منتصف عام 2012، أعلن الحكم الذاتي، بعد محادثات جرت في مدينة القامشلي بين نشطاء ينتمون إلى شرائح مختلفة من المجتمع، الذي يراد تصنيعه وقام بالإعلان عنه على نحو رئيسي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي يُعتبر الحزب الشقيق لحزب العمال الكردستاني في تركيا الذي يترأسه (عبد الله أوجلان)، وقد صنِّف هذا الحزب في تركيا على أنه حزب إرهابي. وجاء في الإعلان تحديداً لبعض الخطوط الرئيسية، أهمها:

– إن إقليم الحكم الذاتي يشمل ثلاث مناطق لكلٍّ منها مجلس.

– الإدارة الذاتية انتقالية – تعددية، بمشاركة جميع المكونات فيما يدعى (غرب كردستان).

– التزام بوحدة الدولة: إدارة محلية مشتركة تقوم على اللامركزية.

وقد أصر القياديون لهذه الحركة على إعطاء الطابع التعددي للإدارة الذاتية من خلال تشكيل المجالس في المناطق، كما عمدت قوات من الشرطة (أسايش) إلى وضع يدها على المرافق الأمنية، كما تم وضع يد موظفي المجلس المحلي على المؤسسات العامة وإدارات الدولة. وقام هؤلاء الموظفون بتسيير أعمال المواطنين، وأدخلوا تعديلات على الأنظمة بما يتناسب مع مزاعم الحكم الذاتي، وفرضوا اللغة الكردية إلى جانب العربية، في حين فرضت اللغة الكردية وحدها في المناطق التي يدّعون أنها كردية.

وأهمّ ما قامت به الإدارة الذاتية، هو وضع اليد على المدارس الحكومية والخاصة وفرض مناهج دراسية خاصة وفرض الضرائب والرسوم وجبايتها، الأمر الذي أحدث غضباً شعبياً واسعاً.

ومن الأمور الهامة الأخرى، هو قيام الإدارة الذاتية بفرض التجنيد الإجباري، ووضع حواجز على الطرق العامة، والقيام بممارسات أمنية شديدة، أدت، إلى جانب غيرها من الإجراءات، إلى نزوح جانب هام من الأهالي خاصة في القرى التي يغلب عليها الطابع العربي.

علماً أن ما يدعى مجلس سورية الديمقراطي الذي يسيطر عليه حزب الاتحاد الديمقراطي، تشكل من مجموعات تضم ممثلين عن بعض العشائر العربية، ومن ممثلين عن السريان والكلدان. لكن السيطرة العددية (والمعنوية) هي للحزب وحلفائه من المجموعات الكردية الأخرى.

وقد أحدث تشكيل الإدارة الذاتية شروخاً سياسية ومجتمعية هامة في المنطقة، رغم بقاء السلطة المركزية شكلياً في مواقع معينة (محافظة دير الزور والحسكة مثلاً).

الرفض الشعبي كان عاماً، خاصة في الأوساط المدنية والمتعلمة، فيما عدا الجمهور الواسع من الأكراد الذين توزعوا في اتجاهين:

الأول_ يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي المرتبط بأجندة حزب العمال الكردستاني (التركي) يدعم التوجه إلى إقامة الحكم الذاتي توصلاً إلى ما دعاه الفيدرالية.

والثاني_ تقوده مجموعة الأحزاب الكردية إلى جانب شخصيات كردية ناشطة، انضم بعضها إلى (ائتلاف المعارضة) في الخارج، وهناك العديد من المواطنين الأكراد لم ينخرطوا في أي من الجهتين.

وقد فرض (مجلس سورية الديمقراطية) إيديولوجية حزب الاتحاد الديمقراطي، التي تنطلق من فكرة أوجلان عن (الأمة الديمقراطية) التي تضم العرب والأكراد والسريان على نحو رئيسي، وحدد الهدف بأنه الوصول إلى سورية لا مركزية تحقق عدالة لجميع المناطق مع تقديم الخدمات للمواطنين، والوصول إلى سورية كدولة مواطنة.

وقد طرح عدد من الخبراء والمحامين الأكراد، مسودة دستور إدارة مؤقتة لـ(غرب كردستان) للمناقشة بين الأحزاب الكردية والعربية من أجل التوصل إلى صيغة تعرض على الاستفتاء العام في المناطق (ذات الأغلبية الكردية) في سورية.

وتتضمن هذه المسودة تشكيل (حكومة) الإدارة الذاتية الديمقراطية، من 21 وزارة بينها الدفاع والمال والداخلية (ولا تشمل الخارجية)، مع اقتراح بتحديد علم وشعار ونشيد لمناطق الإدارة الذاتية، وحددت القامشلي (قامشلو) عاصمة لهذه المناطق، وقد اعتبرت هذه المسودة للدستور بمثابة (عقد اجتماعي جديد) ينص على أن: (سورية دولة مستقلة ذات سيادة تامة عاصمتها دمشق، ونظامها ديمقراطي برلماني تعددي واتحادي، و(غرب كردستان) مناطق الإدارة الذاتية جزء لا يتجزأ من سورية جغرافياً وإدارياً، ومدينة القامشلي (قامشلو) عاصمة مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، واقترحت المسودة أن تكون اللغة الكردية و(اللغة العربية) لغتين رسميتين في مناطق الإدارة الذاتية، مع ضمان التعليم لأبناء المكونات الأخرى للتعليم بلغتهم الأم.

كما نصت مسودة (العقد الاجتماعي الجديد) أو الدستور، على تشكيل وحدات الحماية الذاتية باسم وحدات حماية الشعب، على أن تحدد مهمتها في حماية الحدود الدولية لسورية ومحاربة الإرهاب ضمن مناطقها، وتحدد نسبتها وحجمها وعلاقاتها بالقوات المركزية بقانون، وتخضع لإدارة مدنية، مع ضمان حرية الدين والمعتقد.

لا شك أن هذه التوجهات، من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة استقرار ووحدة سورية وشعبها، وهي تمثل بديلاً تقسيمياً لوحدة البلاد، تهدد حاضرها ومستقبلها.

أتوقف هنا لبيان بعض الحقائق:

1- تواجه سورية (الدولة والشعب) صعوبات ومشكلات معقدة ومتشابكة، بعد حوالي عشر سنوات من اندلاع الأحداث الدموية التي تشهدها. ولعل من أهم وأخطر ما تواجهه هو ما جرى ويجري في الجزيرة السورية وشرق الفرات، فقد جرى فرض سلطة الأمر الواقع من قبل فئة من المواطنين تحت مسمى (مجلس سورية الديمقراطية) بقيادة فئة من الكرد منضوية تحت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، فأعلنت وأقامت (الإدارة الذاتية) من جانب واحد ووضعت أسساً لـ(عقد اجتماعي جديد) يحدد مستقبل سورية. ومع وجودها العسكري المدعوم من الولايات المتحدة والغرب الأوربي وبعض الدول الخليجية، أصبحت الأداة الرئيسية لتنفيذ المشروع الأمريكي والصهيوني التقسيمي.

2- تمكنت القوات السورية المسلحة، مدعومة من القوات الحليفة، وبدعم من الدول الصديقة وعلى رأسها روسيا وإيران، من تحرير القسم الأعظم من الأرض السورية، وبالتالي فقد انحسرت فعالية التجمعات الإرهابية، وكذلك ما يدعى (المعارضات المعتدلة)، في المقابل تعاظم دور الدول الفاعلة، كما تغيرت طبيعة الدور الذي تقوم به كلاً منها فلم يعُد مبرر تدخلها هو محاربة الإرهاب، بل دخلت عناصر جديدة:

– فقد أدخلت الولايات المتحدة مواجهة (الخطر الإيراني).

– وتركز تركيا على (محاربة حزب العمال الكردستاني) وامتداده السوري، مع تأمين الحدود.

– وأصبح لـ(إسرائيل) أهداف جديدة، مثل الحد من (الخطر الإيراني) ومنع نقل الأسلحة والمقاتلين تجاه حدودها.

– ويعلن الأردن بين حين وآخر عن حماية كيانه (من خطر الهلال الشيعي).

دون أن نغفل أهداف ومصالح حلفاء سورية، وأهمية إقامة علاقات صحية ومتوازنة معهم.

هذه التحولات وغيرها من متغيرات، تفترض تناول هذا الموضوع بآليات معرفية وأساليب متطورة وروح منفتحة جديدة، بعد أن تحولت المنطقة إلى مسرح لصراعات إقليمية ودولية يمكن أن تتطور إلى الأسوأ.

3- في ضوء تلك المستجدات، تبرز مسألة (الإدارة الذاتية)، مع تصاعد الحديث عن (لجنة الدستور) وفق التفاهمات الدولية وما نجم عنها.

ومن هنا تبدو أهمية تكوين رأي حول مسألة المركزية واللامركزية، مع تمكين أعضاء اللجنة، من تكوين وجهة نظر علمية وواقعية ومدروسة، تستند إلى مواجهة دقيقة للأسس الدستورية والقانونية لشكل نظام الحكم، ولتجارب الإدارة الذاتية من خلال ما جرى تنفيذه في الجزيرة السورية وتجارب أخرى جرى تطبيقها خاصة في العراق ولبنان، للوقوف على دقائق العلاقة ما بين المركز والوحدات الإدارية المحلية، انطلاقاً من التأكيد على وحدة الأرض والشعب في سورية، وتوزيع المهام والصلاحيات على نحو يكفل العدالة والمساواة والتكافؤ بين فئات الشعب وبين المناطق.

4- إن سورية في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تحتاج إلى ضرورة العمل بالتوازي على مسارين:

الأول: قوة الدولة، بجيشها واقتصادها ووحدة شعبها، وبالتالي قوة إدارتها المركزية.

الثاني: تطوير تجربة المجالس المحلية، والحفاظ على مكتسباتها من خلال نصوص دستورية واضحة، تحدد الاختصاصات والمسؤوليات وتوزعها ما بين المركز والإدارة المحلية، بما يضمن مراعاة احتياجات المناطق السورية كافة، ويحقق ديمقراطية التعبير، والتنمية المتوازنة، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية والاقتصادية للمواطنين.

وفي ذلك كله علينا أن نأخذ بالاعتبار:

1- أن تعاملنا مع تجربة الإدارة الذاتية يحمل في طياته مواجهة المشروع الأمريكي – الصهيوني التقسيمي.

2- إن نظرة موضوعية إلى ممارسات الحكم قبل الأحداث تفترض تلافي جميع السلبيات، وخاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الريف والمدينة، وضرورة التأكيد على الاهتمام برفع سوية المواطنين في الريف السوري ورفع مستوى الخدمات خاصة ما يتعلق بالتعليم والصحة، وتطبيق أسس التخطيط الإقليمي، على طريق التنمية الشاملة والمستدامة.

3- ألا تسمح للقوى المعادية أن تحقق عن طريق مشاريع الدستور والإدارة الذاتية، ما عجزت عن تحقيقه في الحرب وعن طريق الإرهاب، وألا يغيب عن البال النوايا الحقيقية لطرح موضوع الحكم الذاتي وأهدافه الحقيقية.

4 – أن يوضع التخطيط الإقليمي موضوع التطبيق الفعلي، بما يتيح الاستغلال الأفضل لثروات البلاد وتخصيص جزء هام من هذه الثروات لاستثمارها محلياً.

5 – التركيز على فكرة المواطنة والانتماء الوطني، كأسلوب ومنهج يحقق المساواة والعدالة والتكافؤ بين جميع المواطنين.

العدد 929 - 30/09/2020