اندفاعات أردوغان الفكرية

د. صياح عزام:

بات من الواضح لمتابعي الأوضاع السياسية وتطوراتها في تركيا أن أدروغان خاض وما يزال يخوض أشرس المعارك ضد رفاق دربه، وأكبر مثال على ذلك صراعه مع فتح الله غولين المقيم في الولايات المتحدة الآن. وللعلم فإن غولين هذا الذي يطالب أردوغان واشنطن بتسليمه للسلطات التركية كان رأس حربة مع أردوغان لكسر الهيمنة العسكرية، ولاسيما في استفتاء عام 2010. ورغم ذلك تعرّض غولين لأكبر عملية خيانة من قبل أردوغان (رفيق دربه كما يقال) لإرساء حكم الشخص الواحد، إلى جانب تعيين الأصهار والأقارب في مواقع إدارية ومالية عالية، قبل تعيين صهره وزيراً للمالية رغم عدم خبرته بهذه الأمور.

بعد مرحلة تشويه سمعة باباجان وأحمد داود أوغلو، بدأت على ما يبدو مرحلة قطع أجنحة الرجلين، وهذا ما تجسد هذه الأيام بإغلاق جامعة (شهر) أي المدنية وكل المؤسسات ومراكز الأبحاث المرتبطة بها، علماً بأن هذه الجامعة كان مؤسسات أحمد داود أوغلو، ويشكل هذا الإغلاق وسيلة تصفية لنفوذ أوغلو، مثلما أغلقت المدارس المسائية التي كانت تشرف عليها وتديرها جماعة فتح الله غولين، التي كانت تقوم بإعطاء الطلاب الأتراك دروس تقوية، وكانت تستقطب عشرات الآلات من الطلاب الذي أصحبوا في نهاية المطاف من مؤيدي فتح الله غولين. أما الذريعة التي ابتدعها أرودغان لإغلاق جامعة شهر هذه فكانت عجزها المالي، إذ سرعان ما أقدم مجلس التعليم العالي التركي وبناء على توجيه مباشر من أردوغان شخصياً على الموافقة على قرار الإغلاق ونشره في الجريدة الرسمية.

وقد علق أحمد داود أغلو على هذا الإغلاق بقول: إن الذي وضع يده على الجامعة هو رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، الذي لا يعرف جشعه وحقده حدوداً!

إذاً، لم يكتف أردوغان بإبعاد رئيس الحزب السابق ورئيس الحكومة التركية لسنوات أحمد داود أوغلو عن المعترك الحزبي الرسمي، بل يواصل مطاردته في كل الأمكنة التي يشتم فيها له أي أثر!

بمعنى آخر انضم أوغلو هذا، عام 2016 وقبل محاولة الانقلاب الفاشلة، إلى ضحايا أردوغان بعزله من زعامة حزب العدالة والتنمية، ومن رئاسة الحكومة، ومن قبله أخرج على باباجان من وزارة الاقتصاد، وذهب الاثنان إلى تأسيس حزبين سياسيين: باباجان أسس حزب الديمقراطية والتقدم، وأوغلو أسس حزب المستقبل، وهذان الحزبان ولدا من رحم حزب العدالة والتنمية، وكان من المفترض حسب تقديرات السياسيين الأتراك البارزين توحيد جهود الاثنين بتأسيس حزب واحد ولكن لم يحصل ذلك.

بالطبع شكل تأسيس الحزبين المذكورين مصدر قلق وإزعاج للسلطان العثماني الجديد، لأن نتائج الانتخابات الرئاسية والنيابية الأخيرة التي جرت في تركيا عام 2018 أعطت لأردوغان بالتحالف مع حزب الحركة القومية ميزة لا تتجاوز النقطتين بالمئة فقط، وحزبا باباجان وأحمد داود أغلو سيقتطعان 3-4 نقاط بالمئة من قاعدة حزب العدالة والتنمية، وهذا سيكون كافياً للإطاحة بأردوغان من سدة الرئاسة التركية. أيضاً من الخطوات التي لجأ إليها أردوغان في صراعه ضد خصومه ومن أجل استمرار تفرده بالسلطة، إصدار قوانين تسوغ تشكيل نقابات جديدة للمحامين، وهذا ما يصب في مصلحة حزب العدالة والتنمية كونه يسهم في تفكيك نقابة المحامين المركزية إلى نقابات جغرافية سياسية ومناطقية تخدم سياسة أردوغان وكما يقال (الحبل على الجرار).

العدد 922 - 12/08/2020