الصناعة السورية وقانون قيصر

 فؤاد اللحـام:

منذ أكثر من خمسة عشر عاماً والصناعة السورية تنتقل من مواجهة أزمة إلى مواجهة أزمة غيرها. فمن آثار الانفتاح غير المدروس في الفترة ما قبل 2010، مروراً بآثار الحرب في سورية وعليها وتداعياتها من تدمير ونهب، وصولاً إلى آثار جائحة كورونا، وأخيراً الى ما اصطلح على تسميته بقانون قيصر الأمريكي.

تراكم هذه الأزمات الواحدة تلو الأخرى زاد من أعباء الصناعة السورية وصعوباتها، في محاولة التعافي والنهوض مع جسامة تكاليفها المادية والزمنية والبشرية، لأنه لم يعد المطلوب مواجهة آثار الأزمة المستجدة وحسب بل تداعيات وتراكم نتائج ما سبقها من أزمات.

تباينت التقييمات والتفسيرات لأثر قانون قيصر على الاقتصاد السوري بشكل عام والصناعة السورية بشكل خاص، ودخلت آثاره (بورصة) الارتفاع والانخفاض. فهناك من يرى أن آثار هذه القانون ستكون محدودة بسبب الخبرة التي اكتسبتها سورية من التجارب السابقة طيلة سنوات المقاطعة والعقوبات التي فرضت عليها منذ سنوات طويلة، وخاصة في السنوات العشر الأخيرة. في الوقت ذاته الذي يرى آخرون أن هذه المرة ليست كالمرات السابقة، بسبب الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية وخاصة الأوضاع الصعبة التي يعيشها لبنان والدول الصديقة أو (الرمادية). مستشهدين بتراجع قيمة الليرة السورية ومنعكساتها الاقتصادية والاجتماعية الحالية قبل أن يدخل قانون قيصر حيّز التنفيذ الفعلي.

يمكن القول إن الوضع الأقرب إلى الواقع هو بين هذين الرأيين، فلا هو بالسهولة التي يتصورها البعض، ولا بالاستحالة التي يتوقعها الآخرون، وذلك في ضوء تجارب الحظر والحصار وخاصة الإجراءات الأحادية الجانب التي شهدها عدد من دول العالم.

صعوبات تأمين التمويل لاستيراد مستلزمات الانتاج التي تحتاجها الصناعة السورية كلياً أو جزئياً، وارتفاع تكاليف التسديد والنقل والتأمين والتحصيل من ناحية، وتراجع الطلب المحلي نتيجة ارتفاع الأسعار وتدني القدرة الشرائية للمواطن السوري، وانتشار التهريب في الاتجاهين من ناحية أخرى، وتخوف بعض الدول المجاورة من العقوبات، كل هذه الأمور وغيرها ستزيد من الصعوبات التي ستواجهها غالبية المنشآت الصناعية السورية، سواء التي استطاعت الاستمرار بالإنتاج خلال الفترة السابقة، أو تلك التي ما تزال تنتظر تحسن الظروف لمعاودة الانتاج من جديد، أو تلك التي تعثرت بسبب تداعيات جائحة كورونا.

من المتعارف عليه أن انخفاض قيمة العملة المحلية يشجع على التصدير، وهو ما استطاعت الصين وبعض الدول الأخرى الاستفادة منه. لكن هذه الاستفادة، وكما سبق أن أشرنا إليها على موقع الصناعي السوري، لها شروطها وفي مقدمتها أن تكون حلقات الإنتاج أو معظمها تنتج محلياً، أو أن تكون هناك قيمة مضافة كبيرة لإنتاج متميز يتم استيراد جزء من مكوناته. وهذا لا يتوفر للغالبية العظمى من المنشآت الصناعية في الوقت الراهن.

الشيء الايجابي، حتى الآن، أن إجماعاً على دور الإنتاج الصناعي الهام في مواجهة هذا القانون وتداعياته سواء في تلبية الحاجة المحلية أو / وفي تأمين المزيد من القطع الأجنبي. لكن الشيء السلبي والمقلق، حتى الآن أيضاً، أن الاجتماعات والتصريحات والقرارات التي يتم بحثها في هذا المجال ما تزال محدودة التنفيذ والنتائج. ولأنه لم يعد هناك متسع من الوقت للاستمرار في هذه الحالة، فإن المطلوب خلية أزمة بذهنية ورؤية مختلفة فعالة ومخولة تضم ممثلين عن الجهات المعنية العامة والخاصة لتحديد الأولويات الفورية المطلوبة لمواجهة هذه الوضع وضع البرنامج الزمني للتنفيذ الفوري وتحديد دور كل جانب عام أو خاص فيها بما فيهم الأصدقاء.

تبقى نقطتان هامتان لا بدّ من التركيز عليهما في هذا المجال وهما:

1- إن كفاءة الإدارة الحقيقية والفعالة تبرز في الأزمات وليس في الأوقات العادية فقط. والإجراءات أحادية الجانب التي كان أحدثها قانون قيصر لم تصدر فجأة وبين ليلة وضحاها، ذلك أن توقعها والتلويح بها ونشرها تم علناً وقبل وقت كاف من تطبيقها. وبالتالي كان من المفترض اتخاذ التحضيرات المبكرة لمواجهتها، وعلى الأقل الحد ما يمكن من نتائجها السلبية التي برزت الآن حتى قبل تطبيق قانون قيصر عملياً، وبالتالي فإن إدارة مسؤولة بذهنية جديدة ومتطورة مطلوبة بإلحاح في هذه المرحلة.

2- إن تنشيط عملية الإصلاح السياسي أصبح ضرورة هامة سواء لجهة إحراج أعداء البلاد وإسقاط الحجج التي يتذرعون بها لتجديد إجراءاتهم القسرية الأحادية الجانب، أو لتسهيل عمل الأصدقاء والحلفاء وما بينهما في سعيهم لإلغاء هذه الاجراءات أو تخفيفها. إضافة إلى دور الإصلاح السياسي الهام والكبير في بث روح الثقة والتفاؤل لدى المواطن السوري بأن ما عاناه طيلة السنوات العشر لم يذهب سدى، وأن سورية قد وضعت على سكة التحول من بلد مأزوم إلى بلد بازغ ناهض في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إنها مهام لم تعد بحاجة إلى المزيد من التصريحات والوعود لأنها أصبحت مهامّ مصيرية تنتظر التنفيذ الفعّال، اليوم قبل الغد.

العدد 917 - 1/07/2020